
كشف تقرير حديث صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي عن استمرار اختلالات بنيوية تعيق مسار التنمية بالمغرب، في مقدمتها تفشي مظاهر الفساد والريع والاحتكار، وضعف العدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص، معتبرا أن هذه العوامل ما تزال تشكل عائقا حقيقيا أمام تحقيق تنمية أكثر إنصافا وشمولا.
وأوضح التقرير أن السنوات الأخيرة عرفت تنامي شعور فئات واسعة من المواطنين بعدم الاستفادة العادلة من ثمار النمو والاستثمار، في ظل استمرار تمركز جزء مهم من الثروة والفرص الاقتصادية لدى عدد محدود من الفاعلين المهيمنين على قطاعات استراتيجية، وهو ما يكرس الفوارق الاجتماعية ويحد من فرص الارتقاء الاقتصادي لفئات واسعة.
وسجل المصدر ذاته أن موجة الغلاء التي عرفها المغرب خلال الفترة الممتدة ما بين 2022 و2025 أعادت إلى الواجهة النقاش حول العدالة الاقتصادية ومدى استفادة مختلف الشرائح الاجتماعية من الثروة الوطنية، في وقت واصلت فيه القدرة الشرائية للأسر تراجعها تحت ضغط ارتفاع الأسعار.
وفي ما يتعلق بقطاع المحروقات، أشار التقرير إلى أن الأسعار ظلت عند مستويات مرتفعة رغم تراجعها في الأسواق الدولية خلال عدد من الفترات، وهو ما دفع مجلس المنافسة إلى فتح تحقيقات بشأن ممارسات عدد من الشركات العاملة في القطاع. وخلصت هذه التحقيقات إلى رصد ممارسات منافية لقواعد المنافسة، ما أعاد طرح التساؤلات حول فعالية السوق في حماية المستهلك وضمان تنافسية حقيقية داخل قطاع يطغى عليه التركيز الاقتصادي.
كما وجه التقرير انتقادات لطريقة تدبير دعم استيراد الأضاحي، معتبرا أن هذا الملف أعاد النقاش حول نجاعة الدعم العمومي وآليات توجيهه ومدى تحقيقه لأهدافه الاجتماعية والاقتصادية، بعيدا عن منطق الامتيازات والريع. وأبرز أن هذه العملية أثارت بدورها تساؤلات بشأن الحكامة والشفافية في تدبير الموارد العمومية وضمان استفادة المجتمع منها بشكل متوازن.
وفي محور محاربة الفساد، أكد التقرير أن هذه الآفة ما تزال من أبرز العوامل التي تستنزف الاقتصاد الوطني، مستندا إلى تقديرات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربة الفساد التي تشير إلى أن كلفة الفساد تناهز 50 مليار درهم سنويا، وهو مبلغ يعادل ميزانيات قطاعات اجتماعية حيوية.
وأضاف أن الفساد لا يقتصر على الرشوة في صورتها التقليدية، بل يشمل مختلف أشكال استغلال النفوذ والمحسوبية والزبونية وتضارب المصالح والامتيازات غير المشروعة، وهي ممارسات تؤدي إلى الإخلال بقواعد المنافسة وتوجيه الموارد نحو مشاريع أقل مردودية، فضلا عن تقويض مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
وحذر التقرير من التداعيات السلبية لهذه الممارسات على مناخ الأعمال، لما تسببه من تراجع في ثقة المستثمرين الوطنيين والأجانب وارتفاع كلفة الاستثمار، بما يؤثر على جاذبية الاقتصاد الوطني في ظل المنافسة المتزايدة بين الدول لاستقطاب الرساميل والاستثمارات المنتجة.
ورغم الإصلاحات التي شهدها مجال الاستثمار خلال السنوات الأخيرة، اعتبر التقرير أن جزءا مهما من دينامية الإصلاحات بات يخدم مصالح فئات اقتصادية محدودة أكثر مما يحقق الأهداف الاجتماعية التي أوصى بها النموذج التنموي الجديد، مشيرا إلى توجيه استثمارات عمومية وتحفيزات مالية وامتيازات مهمة نحو عدد من الفاعلين الاقتصاديين الكبار.
كما نبه إلى استمرار مظاهر التركيز الاقتصادي في عدد من القطاعات الحيوية، معتبرا أن هذه الوضعية تحد من ولوج فاعلين جدد إلى الأسواق وتضعف فرص نمو المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما ينعكس سلبا على دينامية الاقتصاد الوطني وقدرته على خلق الثروة وفرص الشغل.






















