مجتمع

من التسجيل إلى التسريب.. مخاطر خفية وراء إرسال البطاقة الوطنية

مجتمع

مع تسارع جهود الرقمنة التي تشهدها الإدارة المغربية وارتفاع منسوب الاهتمام بحماية المعطيات الشخصية وتعزيز الأمن السيبراني، بدأت تبرز ممارسات ميدانية تثير قلق المختصين بشأن سلامة البيانات الخاصة بالمواطنين. ويأتي ذلك في سياق استعدادات مبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث يلجأ بعض المنتخبين والفاعلين الحزبيين إلى جمع صور البطائق الوطنية للتعريف الإلكترونية ومعطيات شخصية أخرى عبر تطبيقات التراسل الفوري، بهدف مساعدة المواطنين على التسجيل في اللوائح الانتخابية.

ورغم أن هذه المبادرات تقدم في ظاهرها كوسيلة لتبسيط الإجراءات الإدارية، فإنها تطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد حماية البيانات الشخصية، خاصة في ظل تزايد حوادث الاختراق وتسريب المعطيات التي شهدتها مؤسسات وهيئات مختلفة خلال السنوات الأخيرة.

معالجة معطيات حساسة خارج القنوات الرسمية

ويرى الخبير في المجال الرقمي حسن خرجوج أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بعملية التسجيل الانتخابي نفسها، بل بطريقة جمع المعطيات الشخصية ونقلها وتخزينها خارج الأطر الرسمية والقانونية المعتمدة.

وأوضح أن تصوير البطاقة الوطنية وإرسالها عبر تطبيقات التراسل ثم تجميعها لدى منتخبين أو أعضاء أحزاب أو وسطاء سياسيين يعد شكلاً من أشكال معالجة المعطيات الحساسة، بالنظر إلى احتوائها على بيانات تعريفية مهمة تشمل الهوية المدنية والصورة الشخصية ورقم البطاقة الوطنية، فضلاً عن إمكانية الربط غير المباشر بينها وبين التوجهات السياسية للمواطنين.

مخاطر انتحال الهوية واستغلال البيانات

وأكد الخبير أن أولى المخاطر تكمن في احتمال تسرب الهوية الرقمية للمواطنين، موضحاً أن نسخة البطاقة الوطنية يمكن أن تتحول إلى أداة تستغل في عمليات انتحال الهوية أو الاحتيال الرقمي أو إنشاء حسابات وهمية، كما قد تستخدم في حملات الهندسة الاجتماعية واستهداف أصحابها برسائل احتيالية متخصصة.

وأضاف أن تجميع هذه البيانات قد يؤدي أيضاً إلى إنشاء قواعد بيانات سياسية غير مرخصة تضم معلومات شخصية ومجالية عن المواطنين، وهو ما قد يفتح المجال أمام استعمالها في حملات استقطاب انتخابي موجهة أو في ممارسات قد تمس بحرية الأفراد وخصوصيتهم.

واتساب لا يلغي المخاطر الأمنية

وفي ما يتعلق بالاعتماد على تطبيق واتساب لتبادل هذه الوثائق، شدد خرجوج على أن ميزة التشفير بين الطرفين لا تكفي لضمان الحماية الكاملة للمعطيات، لأن مواطن الضعف غالباً ما تكون مرتبطة بالأجهزة الشخصية والنسخ الاحتياطية وإعادة توجيه الملفات بين المستخدمين أو داخل المجموعات.

وأشار إلى أن فقدان الهواتف أو اختراق الحسابات الشخصية للوسطاء المكلفين بجمع الوثائق قد يؤدي إلى تسريب كميات كبيرة من البيانات الحساسة دون علم أصحابها.

دعوات لاعتماد منصات مؤمنة وتكوينات متخصصة

ودعا الخبير الرقمي إلى وقف جمع صور بطائق التعريف الوطنية عبر تطبيقات التراسل والمجموعات غير الرسمية، مؤكداً أن التسجيل في اللوائح الانتخابية ينبغي أن يتم حصرياً عبر المنصات الرقمية الرسمية أو القنوات الإدارية المعتمدة، مع الاكتفاء بالحد الأدنى من المعطيات المطلوبة.

كما أوصى بضرورة اعتماد بروتوكولات صارمة داخل التنظيمات السياسية لحماية البيانات الشخصية، من خلال إنشاء منصات إلكترونية مؤمنة، وتحديد صلاحيات الولوج إلى المعطيات، ومنع تخزين الوثائق الرسمية على الهواتف الشخصية، إلى جانب حذف البيانات فور انتهاء الغرض من استخدامها وإلزام جميع المتعاملين معها بضوابط السرية والخصوصية.

الأمن السيبراني يحذر من قواعد بيانات انتخابية حساسة

من جانبه، اعتبر الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الطيب هزاز أن تجميع أعداد كبيرة من نسخ البطاقات الوطنية لدى أفراد أو جهات غير مخول لها قانونياً يرفع بشكل كبير من احتمالات تسريب هذه البيانات أو بيعها أو استغلالها في عمليات احتيال رقمي مستقبلاً.

وأوضح أن بعض الفئات، خصوصاً كبار السن أو الأشخاص ذوي المعرفة المحدودة بالتقنيات الرقمية، قد لا يدركون بشكل كافٍ تداعيات تسليم وثائقهم الشخصية أو كيفية استخدام بياناتهم بعد جمعها.

وأكد أن التسجيل في اللوائح الانتخابية يظل إجراءً شخصياً يعبر عن إرادة المواطن واختياره الفردي، مشيراً إلى أن الجهات الرسمية توفر قنوات قانونية واضحة لإتمام هذه العملية دون الحاجة إلى وسطاء.

الذكاء الاصطناعي يضاعف مخاطر الخصوصية

وأشار هزاز إلى أن التحدي الأكبر لا يتعلق بعملية التسجيل الانتخابي نفسها، بل بمصير البيانات التي يتم جمعها وتخزينها. فحين تتحول مئات أو آلاف نسخ بطائق التعريف إلى قاعدة بيانات غير مؤمنة، تصبح هدفاً محتملاً للقرصنة أو التسريب أو الاستغلال غير المشروع.

وأضاف أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي جعلت من الوثائق التعريفية مصدراً غنياً للمعلومات القابلة للربط مع بيانات أخرى منشورة على الإنترنت أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما يسمح ببناء ملفات رقمية متكاملة عن الأفراد ويزيد من المخاطر المرتبطة بالخصوصية وحماية الحياة الشخصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL