
إشكالية تعزيز المشاركة السياسية للشباب
اللقاء الرابع مع المستشار البرلماني خالد السطي-عبد اللطيف أفلا

“إن معالجة ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب لا تقتصر على دعوات المشاركة، بل تتطلب إصلاحًا سياسيًا ومؤسساتيًا يعيد بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات، ويعزز العدالة الاجتماعية، ويضمن تمثيلية حقيقية للشباب داخل مراكز اتخاذ القرار”
كون مسألة المشاركة السياسية للشباب هي أكثر تعقيدا مما يُتصور، لذلك نحاول في جريدتنا MCG24، من خلال حوار مجموعة من الشخصيات باختلاف حقول اشتغالها واهتمامها وتخصصاتها، كما لو أننا نجثو بغية النظر لتفاصيل جسم النمل في عتمة الليل.
فبعدما جالسنا الأستاذ والفاعل الجمعوي، السيد الهامشي أبرباش، وجالسنا الأكاديمي رئيس مركز موكادور للدراسات والأبحاث، أستاذ التاريخ الراهن والمعاصر بجامعة محمد الخامس، وحاورنا رئيس المجمع الوطني للثقافة، رئيس الأكاديمية الدولية للسلام الدكتور نبيل الصافي، ننتقي في لقائنا الرابع، سياسيا من قبة البرلمان، المستشار خالد السطي.
يقول خالد السطي ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين، في مستهل حديثه معنا، بأن ظاهرة العزوف السياسي في صفوف الشباب، لا تخص المغرب وحده، بل إن العديد من الدول تشتكي منها، مما جعلها مصدر قلق للمهتمين والفاعلين السياسيين والباحثين فيها.
“يمثل الشباب القوة الديموغرافية الأكثر تأثيرا في حاضر المجتمعات ومستقبلها، إذ يشكلون ركيزة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. غير أن العديد من الدول، ومنها المغرب، تشهد خلال العقود الأخيرة تنامي ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب، وهو ما يتجلى في انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات، وضعف الانخراط في الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، وتراجع الاهتمام بالشأن العام. وقد أصبحت هذه الظاهرة مصدر قلق للباحثين وصناع القرار، لأنها تؤثر في جودة الديمقراطية وتحد من تجدد النخب السياسية”
في حديث المستشار البرلماني السيد خالد السطي عن إحجام الشباب، عن المشاركة في مختلف أشكال الحياة السياسية، سواء تعلق الأمر بالتصويت في الانتخابات، أو الانخراط في الأحزاب، أو المشاركة في النقاشات العمومية، أو المساهمة في صنع القرار، ذكر بخطورة عدم الاقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية.
“الأخطر هو عدم الاقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية، فعلى سبيل المثال لم يتم تسجيل الا حوالي 3910000 من أصل الملايين الذين يحق لهم التصويت منهم فئة مهمة من الشباب، بل ان الهيئة الناخبة لانتخابات شتنبر المقبل أعلنت عن (أزيد من 15 مليون مسجل)، وهي نسبة أقل من نظيرتها في شتنبر 2021 التي فاقت 17 مليون 983 الف..”
وأكد ضيفنا بأن العزوف لا يعني بالضرورة غياب الوعي السياسي، بل قد يكون تعبيرًا عن فقدان الثقة في المؤسسات السياسية أو رفضًا للأشكال التقليدية للممارسة السياسية.
سؤال:
ماهي الأسباب الفعلية التي ترونها تُوَلّد العزوف السياسي لدى الشباب؟
جواب:
” الأسباب متعددة أولها، أزمة الثقة في المؤسسات..
تعد أزمة الثقة من أبرز أسباب العزوف، حيث يشعر عدد كبير من الشباب بأن المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية عاجزة عن الاستجابة لتطلعاتهم أو الدفاع عن مصالحهم، مما يولد لديهم شعورًا بعدم جدوى المشاركة…”
وتابع ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بخصوص مسببات العزوف:
“العامل الثاني هو ضعف أداء الأحزاب السياسية، حيث تعاني العديد من الأحزاب من:
• ضعف التأطير السياسي.
• غياب الديمقراطية الداخلية.
• محدودية تجديد النخب.
• ضعف استقطاب الكفاءات الشابة.
وهو ما يجعلها بعيدة عن انتظارات الأجيال الجديدة…”
وأضاف الأستاذ السطي بأن العامل الثالث يتمثل في البطالة والهشاشة الاجتماعية، مشيرا إلى أن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الولوج إلى الشغل والسكن، نواقص تؤدي إلى جعل الأولويات الاقتصادية والاجتماعية تتقدم على الاهتمام بالمشاركة السياسية.
وألحق الممثل النقابي بمجلس المستشارين، موضوع ضعف التربية على المواطنة، بأسباب ضعف المشاركة السياسية للشباب، كعنصر رابع، ملقيا باللوم على المؤسسات التعليمية:
“لا تزال المدرسة والجامعة، لا تقومان بالدور الكافي في ترسيخ قيم المواطنة والمشاركة الديمقراطية، مما ينعكس سلبًا على الثقافة السياسية لدى الشباب.
وختم ضيف جريدة MCG24 استعراضه لسر القضية بحكم تجربته التي راكمها داخل المؤسسة التشريعية وخارجها، وأيضا من خلال عمله النقابي، مؤكدا بأن للتحول الرقمي دخل في المسألة.
“أصبح الشباب يعبرون عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من المؤسسات التقليدية، وهو ما أدى إلى ظهور أشكال جديدة من المشاركة الرقمية، لكنها لا تتحول دائمًا إلى مشاركة مؤسساتية.”
وكون العزوف السياسي كما أسلفنا الحديث، ظاهرة متشعبة ومعقدة، فقد حدّثنا الأستاذ خالد السطي عن نتائجه السلبية والسالبة، على رأسها ضعف شرعية المؤسسات المنتخبة:
“يترتب عن العزوف السياسي عدة نتائج، منها:
انخفاض نسب المشاركة الانتخابية.
ضعف شرعية المؤسسات المنتخبة.
اتساع الفجوة بين المواطنين وصناع القرار.
استمرار احتكار النخب التقليدية للمشهد السياسي.
تنامي الاحتجاجات غير المؤطرة مؤسساتيًا.
إضعاف الديمقراطية التشاركية.
سؤال:
هل تتميز الحالة المغربية بخصوصية تَفردها عن الإشكالية المطروحة؟
جواب:
“رغم المقتضيات الدستورية التي تعزز الديمقراطية التشاركية، ورغم وجود مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي، فإن مشاركة الشباب ما تزال دون المستوى المأمول.
وتبرز عدة تحديات، منها:
محدودية تمثيل الشباب في المؤسسات المنتخبة.
ضعف تجديد النخب الحزبية.
استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات الشباب.
ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، خاصة خريجي الجامعات.
تزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي كبديل للتعبير السياسي.”
ولعلاج القضية من الجذور وليس من الفروع فقط، قدم المستشار السطي مجموعة من التوصيات، كسبل لتعزيز المشاركة السياسية للشباب، فرّعها في ستة محاور، تجديد الأحزاب السياسية، تعزيز التربية المدنية، تحسين الأوضاع الاقتصادية، توسيع الديمقراطية التشاركية، استثمار التكنولوجيا الرقمية، ثم دعم المجتمع المدني.
1. تجديد الأحزاب السياسية
تمكين الشباب من مواقع القرار.
اعتماد الديمقراطية الداخلية.
تجديد الخطاب السياسي.
دعم الكفاءات الشابة.
2. تعزيز التربية المدنية
إدماج التربية على المواطنة في المناهج.
تشجيع المناظرات والبرلمانات المدرسية.
نشر ثقافة الحقوق والواجبات.
3. تحسين الأوضاع الاقتصادية
محاربة البطالة.
دعم ريادة الأعمال.
توفير فرص الشغل اللائق.
تعزيز العدالة الاجتماعية.
4. توسيع الديمقراطية التشاركية
إشراك الشباب في إعداد السياسات العمومية.
تفعيل آليات تقديم العرائض والملتمسات.
دعم المجالس المحلية للشباب.
5. استثمار التكنولوجيا الرقمية
استخدام المنصات الرقمية للحوار العمومي.
تطوير تطبيقات للمشاركة المواطنة.
تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات.
6. دعم المجتمع المدني
تمكين الجمعيات الشبابية.
تشجيع المبادرات التطوعية.
تعزيز الشراكات بين الدولة والمجتمع المدني.
وفي متم حوارنا مع ممثل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين، أجمل ما سلف من تفصيل في الإشكالية في قوله الأخير هذا.
“إن معالجة ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب لا تقتصر على دعوات المشاركة، بل تتطلب إصلاحًا سياسيًا ومؤسساتيًا يعيد بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات، ويعزز العدالة الاجتماعية، ويضمن تمثيلية حقيقية للشباب داخل مراكز اتخاذ القرار. فالمشاركة السياسية ليست مجرد حق دستوري، بل هي شرط أساسي لبناء ديمقراطية قوية وتنمية مستدامة، وإشراك الشباب فيها يمثل استثمارًا في مستقبل الدولة والمجتمع.”






















