أكد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، أن التطورات الأخيرة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية تفتح مرحلة جديدة في مسار القضية الوطنية، معتبرا أن المستجدات المرتبطة بمواقف مجلس الأمن وآليات التدبير الأممي للنزاع تتيح أفقا نحو الطي النهائي لهذا الملف، إلى جانب ضرورة وضع حد لمعاناة سكان مخيمات تندوف.
وأوضح ولد الرشيد، في كلمة ألقاها خلال الجلسة الخاصة المشتركة لمجلسي البرلمان بشأن آخر تطورات القضية الوطنية الأولى، أن المرحلة الراهنة تتجاوز مجرد التحولات الدبلوماسية والقرارات الدولية، بالنظر إلى ارتباطها بقضية وطنية تستحضر ذاكرة الشعب المغربي وتضحيات أجيال وإرادة أمة متمسكة بوحدتها الترابية.
وعبر رئيس مجلس المستشارين عن اعتزازه بمضامين بلاغ الديوان الملكي، مشيرا إلى ما تضمنه من وضوح في الرؤية وبعد نظر، ومن انتقال من منطق تدبير النزاع إلى مقاربة تقوم على التحول العميق للمحددات التي ظلت تؤطر مسار القضية الوطنية.
واعتبر أن القيادة الملكية شكلت الركيزة الأساسية للمكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققها المغرب، مبرزا أن السنة الجارية شهدت إعلان الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي، إلى جانب انضمام دول جديدة من مختلف مناطق العالم إلى قائمة الدول المساندة للموقف المغربي.
وأضاف أن هذه الدينامية تعززت، مساء الجمعة، بتأييد 11 عضوا بمجلس الأمن لمشروع قرار كان يروم إعادة النظر في مهام البعثة الأممية، وجعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات وللتوصل إلى حل نهائي.
ورغم عدم اعتماد المشروع بسبب الطبيعة الخاصة للتصويت داخل مجلس الأمن، شدد ولد الرشيد على أن عدد الأعضاء المؤيدين له يحمل دلالة سياسية مهمة، معتبرا أن المنتظم الدولي اتجه، حين وضع أمام خيار الجمود أو الحل، نحو مقاربة تستند إلى الواقعية ومصداقية المبادرة المغربية، بما يضع حدا لعقود من الانتظار وإطالة أمد النزاع.
وفي هذا الإطار، نوه بالدبلوماسية الملكية التي وصفها بالحكيمة، وبالدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس في قيادة هذا المسار، كما وجه الشكر إلى الدول والحكومات والبرلمانات والاتحادات البرلمانية والمؤسسات التي عبرت عن دعمها ومساندتها للمغرب في قضيته الوطنية.
ودعا ولد الرشيد الأطراف الأخرى إلى مراجعة المواقف التي ساهمت في استمرار الجمود، والتفاعل بمسؤولية وواقعية مع التطورات الراهنة، بعيدا عن المماطلة والإبقاء على الوضع القائم.
وعلى المستوى التاريخي والديمقراطي، أبرز رئيس مجلس المستشارين أن موقف المغرب يستند إلى مرتكزين أساسيين، هما الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية، مشيرا إلى الحضور الفعلي لأبناء الصحراء المغربية داخل المؤسسات الدستورية للمملكة، ومشاركتهم في مختلف مستويات تدبير الشأن العام.
وأوضح أن الأساس التاريخي لهذه الشرعية يرتبط بروابط البيعة والولاء التي جمعت القبائل الصحراوية وشيوخها بالسلاطين والملوك العلويين، فيما تعززت هذه الروابط بالممارسة الديمقراطية والتمثيل الانتخابي، عبر مسار متواصل من المشاركة السياسية.
وفي هذا السياق، توقف عند الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر، مسجلا تصدر الأقاليم الجنوبية نسب المشاركة على الصعيد الوطني، واعتبر ذلك تعبيرا عن رسوخ الانتماء الوطني لسكانها وانخراطهم في بناء مستقبلهم في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
وأكد ولد الرشيد أن المغرب يواصل مساره بثقة، مستندا إلى الإجماع الوطني وتلاحم المغاربة حول ثوابت الأمة، ومتمسكا بالتزامه بالسلم ووقف إطلاق النار، مع التشبث في الوقت نفسه بصيانة السيادة الوطنية وسلامة الأراضي وأمن المواطنين.
وفي ما يتعلق بدور المؤسسة التشريعية في مواكبة المرحلة، حدد رئيس مجلس المستشارين ثلاثة مستويات أساسية للعمل البرلماني، أولها تعزيز الدبلوماسية البرلمانية الثنائية والمتعددة الأطراف، ومواصلة انخراط مجلسي البرلمان في دعم جهود الدبلوماسية الرسمية للدفاع عن القضية الوطنية.
وتتمثل الأولوية الثانية في تعزيز الجاهزية التشريعية للبرلمان، بما يسمح بمواكبة مختلف التطورات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، فيما ترتبط الثالثة بمواصلة التعبئة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية، باعتبارها سندا أساسيا للدفاع عن الوحدة الترابية، وقضية جامعة تتجاوز الاختلافات السياسية والحزبية وتلتقي حولها المؤسسات ومختلف القوى الوطنية.
وفي استحضاره لارتباطه الشخصي بهذه التعبئة، باعتباره أحد أبناء الأقاليم الجنوبية للمملكة، قال ولد الرشيد إن المستجدات الأخيرة لا تعني بالنسبة إليه مجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، بل تمثل فتح أفق جديد نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية.
كما شدد على ضرورة أن يقترن هذا الأفق بوضع حد لمعاناة سكان مخيمات تندوف، مؤكدا أن جيلا كاملا نشأ في ظروف قيل إنها مؤقتة، ولا ينبغي أن يستمر الوضع بما يؤدي إلى نشأة أجيال أخرى في الظروف نفسها.
واعتبر أن العودة إلى الوطن لا تمثل هزيمة لأي طرف، بل عودة إلى وطن ظلت أبوابه مفتوحة، وفرصة للمشاركة في مواصلة النهضة التنموية التي تشهدها الصحراء المغربية، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.
وفي ختام كلمته، استحضر رئيس مجلس المستشارين شهداء الوحدة الترابية والتضحيات التي قدمتها القوات المسلحة الملكية المرابطة على حدود الوطن، كما نوه بجهود مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية، من درك ملكي وأمن وطني وقوات مساعدة ووقاية مدنية وسلطات محلية، في أداء واجبها الوطني والسهر على أمن المواطنين، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.



