فن الملحون

ذكرى الإسراء والمعراج على ألسنة شعراء الملحون‎

د. منير البصكري الفيلالي / أستاذ التعليم العالي ـ أسفي

هي إحدى المعجزات الكبرى التي حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، هدفها أن الله تعالى أراد أن يتيح لرسوله الكريم فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته سبحانه وتعالى .. حتى يزداد قوة من خلال ما سيريه من عجائب وغرائب حدثت ليلة الإسراء والمعراج . وهذه الآيات التي رآها صلى الله عليه وسلم في رحلته هاته إلى ملكوت السماوات والارض كثيرة ، نذكر منها : ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس والعروج إلى السماء ورؤية الأنبياء والمرسلين والملائكة والسماوات والجنة والنار ، إضافة إلى نماذج أخرى من النعيم والعذاب .. وهكذا ، ذكر الإسراء في القرآن الكريم في قوله تعالى : ” سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ، إنه هو السميع البصير . ”
لقد كانت حادثة الإسراء والمعراج قبل هجرته صلى الله عليه وسلم بسنة كاملة . فهذا الحادث ـ كما يقول أحد المفكرين ـ ” لم يكن الإسراء مجرد حادث فردي بسيط ، رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الكبرى ، وتجلى له ملكوت السماوات والارض ، مشاهدة عيانا ، بل ـ زيادة على ذلك ـ اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان دقيقة كثيرة ، وشارات حكيمة بعيدة المدى ..” فقد التقت في شخص الرسول الكريم مكة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى ، وصلى عليه الصلاة والسلام بالأنبياء خلفه ، فكان هذا إيذانا بعموم رسالته ،وخلود إمامته وإنسانية تعاليمه وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان، كما أفادت سورة الإسراء تعيين شخصية النبي ” محمد ” صلى الله عليه وسلم ، ووصف إمامته وقيادته وتحديد مكانة الأمة التي بعث فيها وآمنت به ، وبيان رسالتها ودورها التي ستمثله في العالم . فليس غريبا إذن يعبر شعراء الملحون عن شعورهم الديني اتجاه هذا الحادث ، حيث ملأوا قلوبهم وعقولهم بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفاضوا في القول ، كاشفين عن خالص تفانيهم وحبهم للرسول الكريم ، مادحين ومصلين ومتوسلين .. فجعلوا من حديثهم عن رحلة الإسراء والمعراج فنا قائم الكيان ، مكتمل الخصائص . ومن ثمة ، أطلقوا على هذه القصائد ” المعراج ” ومن أشهرها على حد قول أستاذنا الدكتور عباس الجراري ، قصيدة الشيخ عبد العزيز المغراوي الشيخ عبد القادر الجراري .
يقول المغراوي في أول معراجه :
بسم العظيم ذا العــرش الديـــــــان             رافع لفلاك أفلهوا دون اعماد
من خص المرسلين بآيات البرهان             وشملهم ابلهدا أو دين الارشاد
فعناصر الإعجاز في هذا الحادث العظيم ، ظاهرة التميز والتفكر الذي ميز الله بها رسوله الكريم . فالله تبارك وتعالى جعل نبيه خيرة خلقه ، واختاره لأكرم رسالة وأعظم دعوة ، فكان اختيارا لرجل مناسب في مكان مناسب ، وأعطاه ما أعطاه الخصائص والمميزات وحصنه بما حصنه به من قوى وطاقات ، ثم طالبه أمام هذا كله بما طالبه به من تبعات ..
ولعل تناول شعراء الملحون لرحلة الإسراء والمعراج ، وتتبعهم لمختلف مراحلها ، يكشف ـ لا محالة ـ عن اطمئنان قلبي ، يستلزم غاية الأدب والخشية والهيبة والتعظيم والرجاء الدائم لفضله جل وعلا .
يقول الشيخ عبد القادر الجراري :
أبديت بسم المولى لمقسم لــرزاق         رب لكوان الحق الدايم لحقيــق
والصلا عل الماحي طيب لخـلاق        خير لورا لفضيل الماجد الشفيق
والرضا الآل والصحاب والرفـاق        وهل البيع والعهد الوافي لوثيــق
بعدها فكري هاج وخاطري اشتاق       نحتك معجزا كبرى اكما ايليـــق
فالسرا والمعراج فغياهب لعمــاق        لكن اصلات الماجد قولها اسبيق
الصلا على الهادي راكب البراق        سيدنا محمد لمشرف الصديـــــق
من اسرى من حرم إلى حرم أفلغسيق
فالشاعر من خلال هذه الأبيات ، يبرز ما لرحلة الإسراء والمعراج من قيمة كبيرة .. رأى فيها ما يرفع من قدر الرسول الكريم ، كما وجد فيها ما يرتفع بإنسانيته ويسمو بها في معارج الكمال ، وذلك حين هاج فكره وخاطره وهو يسعى من خلال قصيدته الحديث عن هذه المعجزة العظيمة كما يليق بها .
ولا ننسى في هذا المقام قصيدة ” البوراقية ” للشيخ بالمكي التي يحفظها المغاربة عن ظهر قلب ، وفيها يسوق الشاعر أجمل صورة عن الإسراء والمعراج ، مبرزا من خلالها حبه للرسول صلى الله عليه وسلم ، مذكرا بما لهذا الرسول من صفات وشمائل خصه بها الحق سبحانه . يقول :
اللهم صل على النبي راكب البراق       محمد عين لوجود طـــه
نبدا باسم الكريم نعم الحي الرزاق        ونطرز حلة لمن صغاها
ونقول أفاهم اللغا هلت دمع رماقي       المحبوب جوارحي سباها
حبه فدواخل الحشا مزقني تمزاقي       لا حول لي في ما قضاها
حب لماحي سيد البشر في قلبي رصى محبتـــو
ضي هلالي طلعة البدر ربي أمرنا بطاعتــــــو
فالميزان وساعة الحشر كاع ندوزو في شفاعتو
هذا هو خير الهدى الحبيب التاقي       من جاب القرآن والنباها
هذا هو من اسرى عند الله الخلاق      وحماه بجنود من سماها
وعطاه الحوض واللوى وجعلو تاقي    لامتو هو طبيب داهـــا
لولاه لا كانت لكوان كونها لو عالم لغيــــــوب
لا كرسي لا لوح لا بيان لا قرآن نزل فالكتوب
لا سما لا أرض لا مزان لقحت بها ساير لعشوب
صلى الله عليــه قـد مـا مكتــوب فــلوراقــــــــــي
من آيات وكل من قراهـــا                وعدد الساكنين جملة فـي كـل آفـــاق
قد اللي يمشي على وطاها               وعدد البرق والنجوم ضوات فالغساقي
سبحان الخلاق من نشاها ..
وفي ” معراج ” الشيخ الحاج محمد بن علي الدمناتي المسفيوي ، نجده يفيض القول في الحديث عن ذكرى الإسراء والمعراج ، مبرزا سعادته بها ومصليا على صاحبها عليه أفضل الصلاة والتسليم .
يا عاشق الحبيب اتأمل في ما جرا           واجب انحدثك لا تبقى مغرور
أحديث به تدرك غاية لمفاخــــــرة           وتفوز بالهنا والفرح والسرور
عن ما وقع للهادي في نهار الاسرا          في يوم آدنه الجليل الشكـــــور
اجوارحه وداته للمولـى زايــــــرة           في ليلة أمره الكريم العفــــــور
يا سعدنا ابطلعة ذا الليلة الزاهــرة           بها نقول بالساني دون فجــــور
صلوا على الهادي وللغني اســـرى           محمد الزكي الحبيب المبــــرور
وبعد أن يذكر الشاعر سعادته بهذه الليلة المباركة ، يسترسل في الحديث عن مختلف المراحل التي مرت منها رحلة الإسراء والمعراج .. فيذكر في البداية دابة البراق التي ركب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام قائلا :
البراق يرتجا لك وطلعته نايــــرة                الخير في اوصافه ناس الجمهور
أدوايبه أدرار في ياقوتة مدفــــرة                والجين والزمرد بها مضفــــــور
العقول في اوصافه وجماله حايرة               نعنيه كابر في الجنان مع الحـــور
وحين كان صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو ادنى من ربه ، دنا جبريل من الرسول صلى الله عليه وسلم ، فزاد في القرب ، فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى عبده محمد عليه الصلاة والسلام ما أوحى بواسطة الملاك جبريل عليه السلام ” ما كذب الفؤاد ما رأى ”
يقول ابن علي المسفيوي :
في العرش قال جبريل بغير مكابـــرة          هذا الحد قولي ما فيه افجــــــــــور
اخرق الحجوب كالبرق بكل امظاهرة          في صورة الصديق ابهيج من النور
رفرف وصاب اكباله صورة ظاهــرة          ووصل امقام عنه الفكر مقصــــور
شاف الحبيب وضحات انجاله ناضرة          في عالم الاكوان ارتفعت الستــــور
في بساط ربنا قــال بكل المفاخـــــرة           ارضاة رب الورى نعم الشكـــــــور
ثم يضيف الشاعر قائلا :
شاف الحبيب بالقلب وعين                      نعم الغني ونال بالغنــــا
حتـى كـان قـاب قـوسيـــن                       من مالك الاشيات وادنا
ورضاه رب الورى المعين                      وعليه في بساطه اتنــــا
فقال يا احمد جمع الكون اللي تـــرا            لا جلك اخلقته في اللوح المسطور
انت النور وانت الــدرة لمدخـــــرة              وانت الشفيع والناجي من الشرور
امحبتك عند جمـع الخلـــق امقـررة              يوم القضى اعلامك عنهم منشور
عليك فارض اشروط الدين الصادرة             الصوم والزكة والحج المبـــــرور
خمسين وقت في اليوم بالصلاة عامرة          وقبل سيدنا بالشــرط المذكــــــــور
وهو في طريق العودة بعد أن تلقى الوحي من ربه ، ” إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة ، فاستوى وهو بالأفق الاعلى ، ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى ، ولقد رأه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى . ”
وفي السياق ذاته ، يقول الشيخ الحاج أحمد سهوم :
من المسجد الحرام أو الداج مدجـــــان            اللمسجد الاقصى رب به عانــــــي

جاه داك اللي عن وصفه القول عجزان       داك من لا يتوصف ساير الازماني
بغا الله ايواسيــه بما يصير تفتــــــــان         وتتجـــادل فيه الأمم كــل آنــــــــي
بغا يكبر به اللي ما يماتله شــــــــــان          يضايفـه عنده الضيافـة الداهلانـــي
فين كيفــاش يضايف ربنـا الإنســـان          لا جواب على السولانين بالاثنانــي
جمعله معجزات ارسال جمع الازمان         في معجــزة هي هذه الدااهلانــــــي
وحيت هي معجزة خارقة بتبيـــــــان          ما احتاج الوسيلة قر الاعيانــــــــي
لا لسلوم النور يعرج به صعــــــــدان         ولا لبراق بهيج الصرع ولعنانــــي
وفين ديك اللحظة رب المضايفة كــان         ياك هو ديمة في ساير المكانــــــي
وقول من قال اعرج بالروح دون الابدان       ومن قال اعرج بالروح والابداني
وقول من قالوا شاهد خالقه بالاعيــــــان        ومن قال بقلب وليس بالعيانــــــي
وقول من قال فرض عنه صلاة بعــدان        بلغ خمسين صلاة وصغاه بالأداني
وصاب موسى في رجوعه كايعينه كان        قال عود وطلبه تخفيف عاد ثانــــي ..
ولعل المتتبع لقصائد ” المعراج ” ، سيدرك ـ لامحالة ـ مدى أهميتها ، وما لها من دلالات وفوائد . ففي قراءتها ، يتبين كيف أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقومات التي بني عليها المجتمع الإسلامي ، وهي مقومات صلبة ارتكز عليها هذا المجتمع في كل بقعة من الأرض ، وفي كل عصر من العصور. وهذا يفيد من جهة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قوة من الوجود في إنسان مختار ، جاء ليصلح الإنسانية . إنها فعلا قوة مؤثرة في كل جوانب الحياة ، خلصت الإنسان من العبودية لكل شيء إلى السيادة على كل شيء .
وما رحلة الإسراء والمعراج إلا رسالة ، والله أعلم حيث يجعل رسالته . فهي حبل الوصال بين الخالق وخلقه ، وهي نور الله في أفق الدنيا حتى تزول .. فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ، وإنما هو الرحمة المهداة من ربه على عباده ” لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . ”
من هذا المنطلق ، يكون سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، عظيما في الدين والعقل والشعور ، والعظمة قيمة في النفس قبل أن تبرزها الأعمال ، وملكات النفوس مزية غير قابلة للمسخ .
وهكذا يتبين أن كل النصوص الشعرية التي تناول من خلالها شعراء الملحون ذكرى الأسراء والمعراج ، كانت تعلوها روحانية سامية ، ففي قراءتها يكتسب المرء تجربة روحية ذوقية ، تسمو بكل تجلياتها الربانية والنبوية على المظاهر المادية ، و تتفاعل في بنائها حياة عظيمة لرجل عظيم من خلال علو مقامه صلى الله عليه وسلم .. وهذه العلامات الروحية والجمالية ، لا شك أنها تترجم بحق حالات شعورية صادقة ، يعرضها شعراء الملحون بتعبيرات نورانية وموحية ، تؤكد ـ لا محالة ـ صدق شعورهم تجاه الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام . لذلك ، جاءت قصائد ” المعراج ” قريبة إلى القلوب والنفوس ، تنتال طيعة بفعل الصبابة والوجد ، دونما غلو في التصنع أو التكلف ، تعبق بالسمو الروحي والجمالي عن طريق باب بهاء النظم الملحوني .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض