سياسة

برلمان: لجان العمل الموضوعاتية، دينامية متفاعلة مع تطورات السياقين الوطني والدولي

تبصم السنة الأولى من الولاية التشريعية (2021-2026) على أداء لافت في عمل لجان العمل الموضوعاتية، وهو ما تعكسه أجندة اللقاءات المكثفة التي تعقدها بمجلسي النواب والمستشارين مع المسؤولين في قطاعات حكومية ومؤسسات موكول لها تنزيل السياسات العمومية.

ورسمت منهجية العمل التي انخرطت فيها اللجان الموضوعاتية، والتي تعززت بزيارات ميدانية لعدد من جهات المملكة للوقوف عن كثب على تنفيذ السياسات العمومية في قطاعات معينة ورصد وقعها حياة على المواطنين، ملمحا عن تفاعل ممثلي الأمة وتعاطيهم مع القضايا التي تستأثر بالاهتمام على المستويين الوطني والمحلي، وكذا نهوضهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم في مراقبة العمل الحكومي في مختلف الواجهات.

وقد منح السياقان الوطني والدولي الموسومان بشكل خاص بالتداعيات السوسيو اقتصادية والتحولات الجيواستراتيجية المرتبطة بجائحة كوفيد19 والحرب الروسية الأوكرانية، أهمية وراهينة للمهام التي تضطلع بها هذه اللجان، حيث انبرى مجلسا البرلمان ،في ضوء التداعيات المشار اليها آنفا، إلى إحداث لجان عمل موضوعاتية جديدة تهم، على سبيل المثال ، مجالات “الأمن الصحي” و”الأمن الغذائي” و”ضبط أسعار المواد الإستهلاكية الأساسية”.

ويعد العمل الذي تضطلع به هذه اللجان في مجال تقييم السياسات العمومية، من ثمرات دستور 2011 الذي شكل محطة انتقالية حقيقية في مجال الممارسة البرلمانية، حيث جاء باختصاص جديد للبرلمان يتمثل في تقييم السياسات العمومية، إلى جانب الوظيفتين التقليديتين المتمثلتين في التشريع والمراقبة.

وأكدت الوثيقة الدستورية على ضرورة تقييم السياسات العمومية، لا سيما الفصل 70 منه الذي ينص على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية.

وبهذا المعنى تشكل مجموعات العمل الموضوعاتية بمجلسي البرلمان إحدى الآليات المتاحة للسلطة التشريعية لتقييم الأداء الحكومي، والبحث والدراسة والمواكبة لمجموعة من القضايا الإستراتيجية التي تحظى بالأهمية وذلك من خلال تجميع المعطيات الأولية والمعلومات الكفيلة بوضع تشخيص دقيق للقضايا موضوع التقييم، وإنجاز الأبحاث، والمصادقة على استنتاجات الأبحاث والدراسات، ثم إصدار التوصيات والاقتراحات وصياغة تقرير التقييم في أفق عرضها على جلسة عمومية بالبرلمان.

وفي هذا السياق، أكد الباحث الاكاديمي والمحلل السياسي عتيق السعيد على أهمية العمل الذي تقوم به مجموعات العمل الموضوعاتية بمجلسي البرلمان في تقييم السياسات العمومية وقياس وقعها على الفئات المعنية وعلى المجتمع ككل.

وأبرز الباحث الأكاديمي أن المهام الموكولة لهذه المجموعات، ترسم آفاقا واعدة أمام إمكانية إدخال التعديلات الملائمة والضرورية على البرامج والاستراتيجيات الحكومية في الوقت المناسب، وذلك من أجل ضمان حسن سيرها وإنجاحها.

وأشار إلى أن عمل المجموعات الموضوعاتية في مجال تقييم السياسات العمومية يشكل حلقة أساسية في التشخيص ومعالجة الأوضاع وتصحيح الأخطاء وتقويم الاختلالات، بغية تحفيز النمو والاستثمار والتقدم ورفع التحديات والعوائق، ما من شأنه قياس التقدم الذي تم تحقيقه في مختلف المجالات وكذلك الصعوبات الواجب تداركها سواء تعلق الامر بتسريع الإصلاحات الهيكلية أو إعادة النظر في طرق تدبير المشاريع والمخططات وكل القضايا الآنية.

وعن سبل تطوير عمل هذه المجموعات والبناء على التراكم الذي حققته منذ إحداثها، اعتبر عتيق السعيد أن ذلك رهين بتمكن أعضاء المجموعة باعتبارها خلية بحثية تكون بمثابة إطار حاضن لكفاءات مختصة ذات خبرات ميدانية وعملية طويلة في مجالات اختصاصاتها، وذلك من أجل ضمان قدرتها على تحقيق مجموعة من الرهانات المرتبطة بالقضايا المعروضة عليها، والوقوف عند نقاط القوة وتثمينها وتعزيزها، وكذلك عند مكامن الخلل والقصور وإيجاد سبل تجاوزها.

وأكد على ضرورة الانفتاح الخارجي لهذه المجموعات، سواء على المؤسسات الوطنية أو الدولية من أجل اكتساب الخبرات والتجارب الأكثر نجاعة وفعالية، مشيرا إلى أن هذا الانفتاح سيمكنها من مسايرة المتغيرات والتحولات المستمرة في سياق دولي متقلب بين الجوائح و الأزمات من جهة، ومراكمة تصورات مجتمعية آنية واستباقية كفيلة بتجويد الأداء و الاقتراح.

واعتبر الباحث الأكاديمي أن مجموعات العمل الموضوعاتية مطالبة بتنظيم مكثف لجلسات استماع وتشاور تنبني على مقاربة تشاركية تضم مختلف الفاعلين والمتدخلين، فضلا عن عقد ندوات علمية تهم تشخيص واقع مجالات تخصصها، بغية الارتقاء بالنقاش وتفكيك الإشكالات العالقة مع التركيز على المقاربة المنهجية في عملية الدراسة الوثائقية للأبحاث والدراسات والعروض تشمل قراءات متقاطعة بين ما هو نظري وتطبيقي.

وسحل أن التراكم الذي حققته مجموعات العمل، باعتبارها بنك معلومات ذات طابع آني واستشرافي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية التي تضعها رهن إشارة مختلف المجموعات والفرق النيابية والقطاعات الحكومية وكذا مؤسسات الدولة والباحثين والمهتمين ومختلف المتدخلين، يعزز من موقع ومكانة البرلمان كمؤسسة تحيي روح ومبادئ دستور 2011 وبالتالي تعكس نبض المجتمع واحتياجاته وتطلعاته المستمرة.

وخلص إلى أن عمل المجموعات الموضوعاتية يساهم بشكل كبير في ترصيد حصيلة العمل البرلماني، واستشراف المستقبل التشريعي لمختلف القطاعات التي تقع في صلب رهانات مغرب الغد، تحقيقيا للانتظارات وتثمينا لثقة المواطنين في المؤسسة البرلمانية، وتفعيلا لتوجيهات وحرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس الدائم على جعل المؤسسة البرلمانية مثلا أعلى في جعل الصالح العام فوق كل اعتبار، وترسيخ النموذج المغربي المتميز في مجال الديمقراطية التشاركية كمدخل أساسي لخلق الثروة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية تحقيقا للتنمية البشرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض