
سلط مؤتمر دولي احتضنته مدينة جنيف الضوء على قضية تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، مع تركيز خاص على أوضاع القاصرين داخل مخيمات تندوف.
إلا أن اللحظة الأكثر تأثيرا خلال هذا اللقاء الدولي لم تكن فقط في التقارير أو المداخلات الأكاديمية، بل في شهادة إنسانية مؤثرة قدمها طفل صحراوي سابق، كشف خلالها تفاصيل صادمة عن تجربة التجنيد المبكر والتدريب العسكري الذي خضع له وهو في سن الطفولة.
وخلال المؤتمر، الذي نظم على هامش الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، استمع المشاركون إلى رواية حية تعكس جانبا من المعاناة التي يعيشها بعض الأطفال في مناطق النزاع، حيث تحدث شاهد من مخيمات تندوف عن سنوات من التلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري الذي تعرض له منذ سن مبكرة، ما فتح النقاش حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الأطفال من الاستغلال العسكري وضمان إعادة إدماجهم في المجتمع.
مؤتمر دولي في جنيف يفتح ملف تجنيد الأطفال
احتضنت مدينة جنيف، يوم الثلاثاء 10 مارس 2026، مؤتمرا دوليا خصص لمناقشة ظاهرة تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، وذلك بمبادرة من معهد جنيف للأمم بشراكة مع وسيلة الإعلام “جنيف تايمز”.
وجاء تنظيم هذا اللقاء على هامش الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث جمع خبراء دوليين وباحثين ومسؤولين حقوقيين لمناقشة التحديات المرتبطة بحماية الأطفال من الاستغلال العسكري في مناطق النزاع.
وسلط المؤتمر الضوء بشكل خاص على قضية تجنيد شبان صحراويين في مخيمات تندوف من طرف ميليشيات مرتبطة ببوليساريو، في سياق نقاش أوسع حول الممارسات التي تستهدف القاصرين في عدد من بؤر التوتر عبر العالم.
كما شكل اللقاء فرصة لطرح مبادرات دولية تهدف إلى تعزيز حماية الأطفال وإعادة إدماجهم في المجتمع، في ظل تزايد التقارير التي تشير إلى استمرار استغلال القاصرين في النزاعات المسلحة.
“نداء الرباط” في صلب النقاشات الدولية
احتل ما يعرف بـ”نداء الرباط” موقعا محوريا في النقاشات التي شهدها المؤتمر، باعتباره مبادرة إفريقية تهدف إلى التصدي لظاهرة تجنيد الأطفال وإعادة إدماجهم في المجتمع.
وكان هذا النداء قد اعتمد في 20 نونبر 2025 بدعم من أكثر من أربعين دولة إفريقية، حيث يسعى إلى إرساء إطار قاري للتعامل مع الأطفال الذين جرى استغلالهم في النزاعات المسلحة، من خلال برامج إعادة تأهيل شاملة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية.
وترتكز هذه المبادرة على ثلاثة مبادئ رئيسية تتمثل في حماية الأطفال والوقاية من تجنيدهم، ثم إعادة إدماجهم في المجتمع بشكل كامل، وأخيرا عدم تجريمهم باعتبارهم ضحايا وليسوا مسؤولين عن مشاركتهم القسرية في النزاعات.
وكان المغرب قد بادر إلى تقديم هذه الوثيقة على المستوى الدولي عبر إيداعها كوثيقة رسمية لدى الأمم المتحدة في فاتح دجنبر الماضي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الجهود الدولية لمواجهة هذه الظاهرة.
شهادة طفل من مخيمات تندوف تهز القاعة
اللحظة الأكثر تأثيرا في المؤتمر جاءت عندما قدم حمادة بويهي، وهو صحراوي عاش نحو أربعين عاما في مخيمات تندوف، شهادة شخصية مؤثرة حول ما وصفه بتجربة تجنيد الأطفال داخل تلك المخيمات.
وخلال مداخلته، تحدث بويهي عن تعرض الأطفال لما سماه “غسل أدمغة منهجيا”، حيث يتم تلقينهم أفكارا أيديولوجية منذ سن مبكرة، قبل إخضاعهم لتدريبات عسكرية تهدف إلى إعدادهم للمشاركة في أنشطة مسلحة.
وأوضح أن هذه الممارسات تحرم الأطفال من حقهم الطبيعي في العيش بسلام ومتابعة تعليمهم، معتبرا أن الأمر يشكل “سرقة حقيقية لطفولتهم”.
وقد أثارت شهادته اهتماما واسعا بين المشاركين، خاصة أنها قدمت رواية مباشرة عن تجربة شخصية عاشها داخل المخيمات، بعيدا عن التحليلات النظرية أو التقارير الحقوقية.
من طفولة عادية إلى تدريب عسكري مبكر
خلال شهادته، روى بويهي تفاصيل صادمة عن تجربته الشخصية عندما كان طفلا، مشيرا إلى أنه أُرسل إلى كوبا في سن التاسعة ضمن مجموعة من الأطفال.
وأوضح أنه تلقى هناك تكوينا أيديولوجيا مكثفا إلى جانب تدريبات عسكرية شملت تعلم استخدام الأسلحة، من بينها تفكيك بندقية الكلاشنيكوف والتعامل مع القنابل اليدوية.
وبعد سنوات من هذه التجربة، عاد إلى مخيمات تندوف، حيث ظل يعيش داخل بيئة مشبعة بالخطاب العسكري والتعبئة الأيديولوجية.
وخلال كلمته في المؤتمر، دعا بويهي المجتمع الدولي إلى التحرك بشكل عاجل لحماية الأطفال الموجودين في تلك المخيمات، وضمان احترام حقوقهم الأساسية في التعليم والحياة الكريمة بعيدا عن الاستغلال العسكري.
دعوات دولية لحماية الأطفال وإعادة إدماجهم
إلى جانب الشهادات الإنسانية، ناقش المشاركون في المؤتمر مسؤولية الدول والمنظمات الدولية في مواجهة ظاهرة تجنيد الأطفال وضمان إعادة إدماج الضحايا في مجتمعاتهم.
وفي هذا السياق، شدد عدد من الخبراء على ضرورة تطوير التشريعات الوطنية بما يتماشى مع المعايير الدولية التي تجرم تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة.
كما أكد البروفيسور ألفريد دي زاياس، الخبير المستقل السابق لدى الأمم المتحدة، أن حماية الأطفال من التجنيد القسري يجب أن تشكل أولوية في السياسات الدولية، مشيرا إلى أن الظاهرة لا تزال منتشرة في عدد من مناطق العالم، خصوصا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ومن خلال تسليط الضوء على ما يجري في مخيمات تندوف، سعى المشاركون في المؤتمر إلى لفت انتباه المجتمع الدولي إلى ملف ظل لسنوات خارج دائرة الاهتمام الكافي، مؤكدين أن المبادرات الدولية مثل “نداء الرباط” قد تشكل خطوة مهمة نحو كسر دائرة استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة وتمكينهم من استعادة طفولتهم وحياتهم الطبيعية.






















