
في منعطف ديبلوماسي حاسم يتزامن مع ترقب دولي لاجتماعات مجلس الأمن حول ملف الصحراء المغرب، تضع الجزائر ثقلها الاقتصادي فوق طاولة المفاوضات مع واشنطن.
ولم تكن التحركات الأخيرة التي قادها وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، لم تكن مجرد مشاورات روتينية، بل كشفت عن إستراتيجية جديدة تعتمد على المعادن الحيوية في الجزائر والغاز غير التقليدي كأوراق ضغط لاستمالة إدارة دونالد ترامب، وإعادة خلط الأوراق في منطقة المغرب العربي.
صفقة “المعادن الحيوية”: إغراء التعدين والغاز
خلال اللقاء الذي احتضنته مدينة أنطاليا التركية بين أحمد عطاف ومسعد بولس، المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي، لم تكن “الحركية الإيجابية” التي تحدث عنها البيان الجزائري مجرد كلمات بروتوكولية، إذ أماط الجانب الأمريكي اللثام عن جوهر المحادثات التي ركزت بشكل غير مسبوق على قطاع المعادن الحيوية في الجزائر.
ويمثل عرض الجزائر بفتح أبوابها أمام الشركات الأمريكية للتنقيب عن المعادن النادرة والحيوية، تحولا جوهريا في عقيدتها الاقتصادية التي كانت تتسم بالانغلاق.
ووجدت واشنطن، التي تسعى لتأمين سلاسل توريد المعادن بعيدا عن الهيمنة الصينية، في العرض الجزائري فرصة ذهبية، علما أن هذا التوجه تعزز بمناقشة استغلال الغاز غير التقليدي، وهو ما يشير إلى رغبة الجزائر في تحويل أراضيها إلى مخزن طاقي وتعديني تسيطر عليه التكنولوجيا والرساميل الأمريكية بامتيازات تصل إلى 80 في المائة من رأس مال المشاريع.
توقيت “المقايضة”: المينورسو ومجلس الأمن
يأتي هذا الانفتاح الاقتصادي “السخي” في توقيت يثير الكثير من التساؤلات السياسية، إذ يسبق بأيام قليلة مراجعة مجلس الأمن الدولي لمهمة بعثة “المينورسو”.
وتدرك الجزائر أن إدارة ترامب، التي اعترفت في ولايتها الأولى بسيادة المغرب على صحرائه، تتجه في ولايتها الثانية نحو حسم النزاع نهائيا عبر دعم مخطط الحكم الذاتي.
لذا، تسعى الدبلوماسية الجزائرية لاستخدام ورقة المعادن الحيوية والغاز كأداة لفرملة هذا الاندفاع الأمريكي، من خلال إقناع واشنطن بأن مصالحها الاقتصادية الإستراتيجية في الجزائر تفوق أي مكاسب سياسية قد تجنيها من حسم ملف الصحراء لصالح الرباط، في محاولة لـ “مقايضة” المواقف السياسية بامتيازات اقتصادية طويلة الأمد في قطاع الطاقة والتعدين.
بين التطبيع والمناجم
إشارات الانفتاح الجزائري لم تتوقف عند حدود التعدين، فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تسارعت الخطوات الجزائرية لتغيير الصورة الذهنية لدى الإدارة الأمريكية، إذ كانت تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون حول الاستعداد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتعامل المرن مع الخطط الأمريكية الإقليمية، بمثابة “تمهيد للأرض” قبل طرح العروض الاقتصادية الكبرى.
إضافة إلى أن مشروع القانون الجديد الذي عرض على البرلمان، والذي يقلص حصة الدولة في الحقول غير المستكشفة إلى 20 في المائة فقط، هو بمثابة “بساط أحمر” للمستثمر الأمريك، إذ لا تبيع الجزائر اليوم الغاز والمعادن فحسب، بل تحاول بيع “موقف سياسي جديد” يضمن لها البقاء كطرف فاعل في ملف الصحراء، ويمنع أي تحول جذري في عقيدة مجلس الأمن تجاه هذا النزاع الإقليمي.
هل تبتلع واشنطن “طعم” المعادن؟
رغم قوة الإغراءات الاقتصادية المرتبطة بالمعادن الحيوية في الجزائر، إلا أن السؤال يبقى قائما: هل ستتراجع واشنطن عن اعترافها التاريخي بمغربية الصحراء مقابل عقود التعدين؟ المؤشرات الحالية تؤكد أن إدارة ترامب تميل نحو الحسم الإستراتيجي وليس الحلول المؤقتة.






















