
بعد خمسة عقود من الاستنزاف المالي والسياسي، يجد النظام الجزائري نفسه اليوم في مواجهة حقيقة مرة: المشروع الانفصالي “بوليساريو”، الذي رعي في دهاليز “الحرب الباردة” يلفظ أنفاسه الأخيرة، فما كان يقدم يوما كـ “حركة تحرر” في سبعينيات القرن الماضي، تكشف عورته اليوم كأداة وظيفية صنعت لخدمة أجندات إقليمية ضيقة، وتصفية حسابات تاريخية ضد المغرب.
عقيدة “بومدينية” في عالم متغير
لم يكن ظهور “بوليساريو” نتيجة تطور اجتماعي أو سياسي طبيعي في الصحراء المغربية، بل كان وليد تحالف “قذافي-بومديني” سعى لزعزعة استقرار المنطقة وبناء نفوذ إيديولوجي وهمي. واليوم، تتبخر المليارات التي ضخها النظام العسكري الجزائري من قوت شعبه لإبقاء هذا الكيان “اللقيط” على قيد الحياة، دون أن يفلح في منحه شرعية مفقودة أو شروط بقاء في عالم لا يعترف إلا بالكيانات القابلة للحياة.
لقد قامت سردية هذا المشروع على “إعادة إنتاج الكراهية”، ومحاولة إبقاء النزاع مفتوحا مهما كانت الكلفة الإنسانية، لكن التحولات العميقة في النظام الدولي جعلت من هذه المقاربات “أطلالا” من حقبة غابرة.
من “صراع المحاور” إلى “منطق التنمية“
يرى مراقبون أن العالم الذي كان يسمح بوجود حركات مسلحة تدور في فلك الإيديولوجيات المتصارعة قد انتهى، فالقوى الدولية اليوم تولي وجهها شطر:
- الاستقرار الإقليمي: كضمانة وحيدة لنمو الاقتصاد العالمي.
- الشراكات الكبرى: التي تربط القارات عبر مشاريع الطاقة والتجارة.
- مكافحة بؤر التوتر: التي تتحول غالبا إلى حواضن لعدم الاستقرار المزمن.
في هذا السياق، تدرك الجزائر، وهي تراقب انحسار نفوذ محاور “التوتير الدولي” من فنزويلا إلى إيران، أن المنتظم الدولي حسم خياراته، فالقوى الكبرى لم تعد مستعدة لقبول كيانات عبثية تستمد وجودها من صراعات تجاوزها الزمن، وتعرقل طرق التجارة الآمنة ومشاريع الطاقة الاستراتيجية.
حتمية التاريخ وصمود الجغرافيا
إن تآكل بنيات “بوليساريو” ليس مجرد تراجع دبلوماسي عابر، بل هو “فعل تاريخي” يعيد الأمور إلى نصابها، فالتاريخ لا ينحاز للمشاريع المصطنعة القائمة على الأوهام والشعارات، بل ينتصر لحقائق الجغرافيا.
اليوم، تبدو سيادة المغرب على صحرائه، والشرعية الملكية المتجذرة في وجدان الصحراويين، الصخرة التي تكسرت عليها أطماع “العقيدة البومدينية”.
لقد انتهت شروط اللعبة القديمة، وبقيت “بوليساريو” مجرد بقايا لمرحلة تاريخية طواها النسيان، بانتظار إعلان الإفلاس النهائي لمشروع لم يحمل يوما بذور البقاء.






















