أدب الحجازيات في الشعر الملحون

أدب الحجازيات في الشعر الملحون – الحلقة العاشرة (الأخيرة)

إعداد : الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

إضافة إلى ما ذكرنا في الحلقات السابقة ، نلاحظ أن شاعر الملحون لم ينس أن يتحدث في قصائده عن آداب الزيارة للمقام الشريف عملا بقوله تعالى : ” الحج أشهر معلومات ، فمن فرض فيهن الحج ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، وما تفعلوا من خير يعلمه الله ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب . ”
    ونخال شاعر الملحون يسعى إلى تطبيق ما ورد في هذه الآية الكريمة ، مستعينا بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه . ” وغاية ذلك أن يكون الحج مبرورا والسعي مشكورا . لذلك ، ينبه شاعر الملحون إلى هذه المسألة بكل جدية وصرامة . يقول الشاعر الحاج محمد بن علي المسفيوي :
      يا زاير لا تكون غافل               أسأل تعطى ولا اتقول أنا مســـؤول
      وتأدب لا تكون جاهل               وعرف هذي سوايع العطفا ألقبــول
    هذا مقصود كل سايل                هذا عين الوجود لحبيب المرســـول
    أتدلل لا تفوت عـــادا                واخضع قدام صاحب السر المشهود
    واعتابو ديرها اوسادا              عفر الوجه فالثرى ولغ الحســـــــود ..
  نستنتج مما سبق ، أن أدب الحجازيات في الشعر الملحون ، أدب غني بتنوع موضوعاته وتعدد مجالاته . فقد كان فرصة بث من خلالها الشعراء على اختلاف توجهاتهم .. أشواقهم للمقام الشريف وحبهم لصاحبه صلى الله عليه وسلم .. وشكواهم من الموانع التي غالبا ما كانت تحول دون تحقيق رغباتهم في الزيارة إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج . كما أن قصائدهم في هذا المضمار ، ترجمة حقيقية للحالة النفسية والوجدانية التي كانت تخيم على مشاعرهم متى حل وقت الرحلة إلى الحج ، ومجال مجاهدة النفس والرجوع بها إلى سبيل الرشد والهداية ، وعنوان على الصبر والقناعة بما قسم الله  ومصدر غني لتعبئة الإنسان نحو القيم الأصيلة ، وإيقاظ روحه لترتبط بمصدر خيرها وسعادتها .
وعلى هذا النحو ، تتجلى قيمة هذا الأدب الحجازي في الشعر الملحون . ولعل ما جاء في هذه الحلقات العشر ، قليل من كثير ، نظرا لغزارة المادة وتنوعها ، وما يمكن أن تحمله من دلالات . فالموقف يعبر عن إشراق روحي وصفاء نفسي ، لا يملك معه الإنسان إلا أن يشكر الله تعالى تعبيرا وتقديسا لعزته وجلاله ووحدانيته . فالحج لقاء في أرض طاهرة جمع الله تعالى فيها قلوب البشر على الصفاء والحب والخير .. وهو أيضا لقاء إسلامي تاريخي وحضاري ودعوة إلى تطهير القلب والفكر من الحقد والحسد والتزود بالفضيلة وبالحب للناس جميعا والتمسك بالإخلاص وكل الفضائل والقيم النبيلة التي دعا إليها الإسلام . 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى