
كوريا الجنوبية تجدد استبعاد البوليساريو من الشراكة الإفريقية

وجهت كوريا الجنوبية رسالة دبلوماسية واضحة خلال الاجتماع الوزاري للشراكة بين سيول والاتحاد الإفريقي، بعدما حافظت على موقفها القاضي بعدم توجيه الدعوة إلى جبهة البوليساريو للمشاركة في أشغال هذا اللقاء رفيع المستوى.
ويكتسي القرار أهمية خاصة لأنه يأتي للمرة الثانية على التوالي بعد القمة الإفريقية الكورية الأولى التي احتضنتها سيول سنة 2024، ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بإجراء ظرفي أو استثناء مؤقت، بل بخيار دبلوماسي يعكس رؤية كوريا الجنوبية لطبيعة الشراكات التي تطورها مع القارة الإفريقية.
ويأتي هذا المستجد في سياق دولي يتسم بتراجع متزايد لحضور البوليساريو داخل عدد من المنتديات والشراكات الدولية، مقابل تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. كما يسلط الضوء على محدودية الجهود الجزائرية الرامية إلى فرض حضور الانفصاليين في المحافل الدولية خارج الإطار المؤسساتي للاتحاد الإفريقي.
سيول تتمسك بمقاربة الدول المعترف بها داخل الاتحاد الإفريقي
استضافت العاصمة الكورية الجنوبية سيول الاجتماع الوزاري للشراكة بين كوريا الجنوبية والاتحاد الإفريقي بهدف تقييم حصيلة التعاون منذ انعقاد القمة الأولى بين الجانبين في يونيو 2024، والتي شهدت إطلاق مجموعة من المبادرات الاقتصادية والتنموية المهمة، فضلا عن الإعلان عن التزامات مالية لدعم مشاريع التنمية بالقارة الإفريقية خلال السنوات المقبلة.
غير أن الجانب السياسي طغى على جزء من النقاشات المرتبطة بهذا الاجتماع، بعدما واصلت كوريا الجنوبية استبعاد جبهة البوليساريو من المشاركة، متمسكة بالمقاربة نفسها التي اعتمدتها خلال القمة السابقة.
ويعكس هذا الموقف حرص سيول على حصر تعاونها ضمن الأطر الرسمية التي تجمعها بالاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء، مع التركيز على أولويات التنمية والاستثمار والتعاون الاقتصادي، بعيدا عن الملفات الخلافية التي قد تؤثر على فعالية هذه الشراكات.
كما أن القرار الكوري ينسجم مع توجه متنامٍ لدى عدد من القوى الاقتصادية الكبرى التي باتت تفضل التعامل مع الدول والمؤسسات الرسمية عند تطوير شراكاتها الإفريقية، عوض الانخراط في التعقيدات السياسية المرتبطة ببعض النزاعات الإقليمية.
التحركات الجزائرية لم تغير موقف سيول
تكتسب الخطوة الكورية أهمية إضافية بالنظر إلى أنها جاءت رغم النشاط الدبلوماسي الذي قادته الجزائر خلال الأشهر الأخيرة تجاه كوريا الجنوبية، إذ شهدت الفترة الماضية سلسلة من اللقاءات بين السفير الكوري الجنوبي لدى الجزائر وعدد من كبار المسؤولين الجزائريين، من بينهم مسؤولون في المؤسسة العسكرية والبرلمان، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة جزائرية لتعزيز التنسيق السياسي مع سيول بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
وأظهرت مخرجات الاجتماع الوزاري أن هذه التحركات لم تنجح في إحداث أي تغيير في المقاربة الكورية تجاه ملف البوليساريو، فسيول حافظت على موقفها السابق، وأكدت عمليا أن أولوياتها في إفريقيا ترتبط بالتنمية الاقتصادية والتعاون التجاري والاستثماري، وليس بإعادة رسم خريطة المشاركين في قممها ومنتدياتها الدولية.
ويرى متابعون أن هذا التطور يعكس حدود التأثير الجزائري في عدد من الساحات الدولية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية على المستوى الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة، والتي اتسمت بتزايد عدد الدول الداعمة للمقترح المغربي للحكم الذاتي أو المتفهمة لموقف الرباط.
سلسلة من الإقصاءات الدولية تعمق عزلة البوليساريو
لا يمثل اجتماع سيول حالة معزولة، بل يندرج ضمن سلسلة من المحطات الدولية التي شهدت غياب البوليساريو عن فعاليات وشراكات كبرى تجمع الاتحاد الإفريقي بشركائه الدوليين، فخلال الأسابيع الماضية، غابت الجبهة أيضا عن القمة الإفريقية الفرنسية التي احتضنتها كينيا، كما لم تكن ضمن الجهات المدعوة إلى اجتماع الشراكة بين الهند والاتحاد الإفريقي الذي كان مقررا تنظيمه في نيودلهي قبل تأجيله لأسباب صحية مرتبطة بتفشي وباء إيبولا في بعض الدول الإفريقية.
وتكشف هذه الوقائع المتتالية عن توجه متنام لدى العديد من القوى الدولية نحو التعامل مع إفريقيا من خلال منطق الشراكة الاقتصادية والتنموية المباشرة مع الدول والمؤسسات الرسمية، وهو ما يحد من قدرة البوليساريو على الاستفادة من هذه المنصات الدولية لتوسيع حضورها السياسي والدبلوماسي.
كما تعكس هذه التطورات التحول الذي تعرفه القارة الإفريقية نفسها، حيث أصبحت أولويات الاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي تتصدر أجندة الشراكات الدولية، في وقت تتراجع فيه الملفات الإيديولوجية والنزاعات التقليدية أمام الرهانات الاقتصادية الكبرى.
الصحراء المغربية وتغير موازين التفاعل الدولي
في خلفية هذه التطورات يبرز التحول الذي يشهده التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، فخلال السنوات الأخيرة تمكن المغرب من تحقيق مكاسب دبلوماسية مهمة من خلال توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، وتعزيز حضوره الاقتصادي والاستثماري داخل إفريقيا وخارجها.
وفي المقابل، تواجه الأطروحة التي تدافع عنها الجزائر والبوليساريو تحديات متزايدة في عدد من المحافل الدولية، خصوصا مع ميل العديد من الدول إلى تبني مقاربات براغماتية تركز على الاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي.
وبينما تواصل الجزائر بذل جهود دبلوماسية للدفاع عن مواقفها في هذا الملف، تبدو العديد من العواصم الدولية منشغلة أكثر ببناء شراكات اقتصادية وتنموية مع الدول الإفريقية، وهو ما يجعل قضية الصحراء المغربية تقارب بشكل متزايد من زاوية الواقعية السياسية والاستقرار الإقليمي، بعيدا عن الحسابات التي حكمت هذا النزاع لعقود طويلة.





















