سياسة

فرنسا تفتح أرشيف الصحراء الشرقية وتسلم المغرب وثائق تاريخية

سياسة

 

تستعد العلاقات المغربية الفرنسية لدخول مرحلة جديدة توصف بالأكثر حساسية واستراتيجية منذ عقود، في ظل توجه باريس والرباط نحو توقيع اتفاق شامل يعيد رسم ملامح التعاون الثنائي خلال الثلاثين سنة المقبلة، وسط مؤشرات قوية على انتقال الشراكة بين البلدين من التعاون التقليدي إلى مستوى أعمق يشمل ملفات الذاكرة والتاريخ والسيادة.

ويأتي هذا التحول اللافت بعد الاعتراف الرسمي الفرنسي بسيادة المغرب على صحرائه، وهو القرار الذي شكل منعطفا كبيرا في العلاقات بين البلدين، وأعاد الدفء إلى قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي بين الرباط وباريس بعد فترة من التوتر والفتور، إلا أن التطور الأبرز في هذا المسار يتمثل في التوجه نحو تسهيل ولوج المغرب إلى أرشيفات تاريخية فرنسية مرتبطة بفترة الاستعمار، تتضمن وثائق حساسة تهم المناطق الحدودية الشرقية للمملكة، في خطوة يرى متابعون أنها تحمل أبعادا سياسية وتاريخية تتجاوز الطابع الأكاديمي أو التوثيقي.

أرشيفات استعمارية قد تعيد فتح ملف الصحراء الشرقية

وفق المعطيات المتداولة، فإن التعاون الجديد بين باريس والرباط سيشمل تعزيز التنسيق بشأن الأرشيفات المتعلقة بالفترة الاستعمارية، خاصة الوثائق المرتبطة بترسيم الحدود الشرقية للمغرب خلال الحقبة الفرنسية.

ويعتبر هذا الملف من أكثر الملفات التاريخية حساسية في المنطقة المغاربية، بالنظر إلى ارتباطه بما يعرف بـ”الصحراء الشرقية المغربية”، وهي المناطق التي ظلت محل نقاش تاريخي وسياسي منذ مرحلة الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا.

ويرى متابعون أن أي كشف أو تسليم لوثائق فرنسية مرتبطة بهذه المرحلة قد يمنح المغرب معطيات تاريخية إضافية لتعزيز سرديته بشأن الحدود التاريخية للمملكة، خصوصا أن عددا من الباحثين والمؤرخين المغاربة يعتبرون أن الاستعمار الفرنسي لعب دورا محوريا في إعادة رسم الحدود بالمنطقة خلال القرن الماضي.

ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه ملف الصحراء المغربية زخما دبلوماسيا متصاعدا لصالح الرباط، بعد سلسلة من الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، ودعم عدد من القوى الكبرى لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا للنزاع.

اتفاق استراتيجي يعيد تشكيل العلاقات المغربية الفرنسية

ولا يقتصر التقارب الجديد بين الرباط وباريس على الملفات التاريخية فقط، بل يمتد إلى مشروع شراكة استراتيجية واسعة النطاق، يُرتقب أن تؤطر التعاون بين البلدين لعقود مقبلة.

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن الاتفاق المرتقب سيشمل مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والاستثمار والطاقة والدفاع والأمن والتكنولوجيا، إلى جانب ملفات الهجرة والتعاون الثقافي والتعليمي.

كما يرتقب أن يشكل ملف الذاكرة أحد أبرز محاور هذا التقارب، في إطار رغبة مشتركة لدى البلدين لتجاوز التوترات السابقة وبناء علاقة أكثر وضوحا وشفافية بشأن القضايا التاريخية العالقة.

وينتظر أن يتم تكريس هذا المسار الجديد خلال الزيارة الرسمية المقبلة للملك محمد السادس إلى باريس، والتي توصف بأنها زيارة مفصلية في إعادة ترتيب العلاقات المغربية الفرنسية.

ويرى متابعون أن فرنسا تسعى، من خلال هذا التقارب، إلى استعادة موقعها التقليدي كشريك استراتيجي أول للمغرب في منطقة شمال إفريقيا، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها المنطقة.

المغرب يعزز موقعه الدبلوماسي في ملف الصحراء

ويأتي الانفتاح الفرنسي على الملفات المرتبطة بالأرشيف والحدود في سياق مكاسب دبلوماسية متتالية حققها المغرب خلال السنوات الأخيرة في قضية الصحراء المغربية، فبعد الموقف الأمريكي الداعم لمغربية الصحراء، ثم التحولات التي شهدتها مواقف إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية والإفريقية، جاء الاعتراف الفرنسي ليمنح الرباط دفعة سياسية قوية داخل المنتظم الدولي، بالنظر إلى الثقل الدبلوماسي الذي تمثله باريس داخل الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن.

ويرى مراقبون أن إدراج ملفات الذاكرة والأرشيف ضمن الشراكة الجديدة يعكس مستوى الثقة السياسية المتنامية بين البلدين، كما يؤشر على رغبة فرنسية في فتح صفحة جديدة مع المغرب تقوم على المصالح الاستراتيجية المشتركة والتنسيق طويل الأمد.

وفي المقابل، يعتبر متابعون أن أي خطوة تتعلق بالأرشيفات الاستعمارية ستظل محاطة بحساسية سياسية كبيرة، بالنظر إلى ما قد تكشفه من معطيات تاريخية مرتبطة بمرحلة إعادة رسم الحدود في المنطقة المغاربية.

كما يؤكد مهتمون أن المغرب بات يعتمد بشكل متزايد على أدوات التاريخ والوثائق والأرشيفات الدولية لتعزيز مواقفه الدبلوماسية، بالتوازي مع الدينامية السياسية والاقتصادية التي تقودها المملكة في ملف الصحراء المغربية.

ويعكس هذا المسار تحولا واضحا في المقاربة المغربية، التي لم تعد تكتفي بالدفاع السياسي والدبلوماسي التقليدي، بل أصبحت توظف أيضا البعد التاريخي والقانوني والأرشيفي في تثبيت مغربية الصحراء وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.

author avatar
أنس السردي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL