الرأي الحر

الاقتصاد المغربي خلال العقد الأخير (2015-2025)..التحولات التنموية و التحديات

بقلم: د. مصطفى عمر موسى العميري: أستاذ الاقتصاد المشارك بجامعة الامام المهدي _ السودان

الرأي الحر

حقق اقتصاد المملكة المغربية خلال العقد الأخير (2015- 2025) تطورات تنموية غير مسبوقه مما جعله من أكثر الاقتصادات ديناميكية في منطقة شمال إفريقيا ، وذلك عبر تبني الدولة حزمة من السياسات الاقتصادية والبرامج التنموية لتحريك القطاعات الاقتصادية مما انعكس ايجابا على تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز جاذبية الاستثمار المحلي والأجنبي وتطوير البنية التحتية ، والسعي المستمر للتحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر ، بالتوازي مع إطلاق أكبر برنامج للحماية الاجتماعية في تاريخ المملكة. واجه الاقتصاد المغربي تحديات كبيرة كجائحة كورونا-19 وموجات التضخم العالمي والجفاف المتكرر الا ان الاقتصاد اثبت قدرة عالية على الصمود و استعادة النمو ، تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد حقق نموا بلغ 3.8% في سنة 2024 مع توقعات بارتفاعه في عام 2025. كما توقعت تقارير صندوق النقد الدولي استمرار النمو الاقتصادي مدعوما بالاصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الإنتاجية (World Bank,2025, IMF,2025). هنالك شواهد توضح ملامح التحول في الاقتصاد المغربي ، أبرزها قدرة المملكة في تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد النسبي على القطاع الزراعي ، وذلك يتضح من خلال تنمية الصناعات المحلية ذات القيمة المضافة كصناعة السيارات ، الطيران ، الالكترونيات و الأسمدة. فقد أصبحت مساهمة صناعة السيارات تشكل نسبة معتبرة في قطاع الصادرات وتطورت صناعة الطيران لتشمل أكثر من (140) شركة تعمل في مجال تصنيع وتجميع أجزاء الطائرات والمعدات التكنولوجية الدقيقة ، مما قاد إلى نمو حجم وقيمة الصادرات و زيادة التنافسية.
وفي مجال ترقية وتطوير البنية التحتية فقد تم توسيع ميناء طنجة المتوسط ليعد أحد أكبر المؤاني في البحر الأبيض المتوسط و إفريقيا من حيث حجم المناولة.ترافق ذلك مع عمليات تطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية وتنمية المناطق الصناعية واللوجستية، مما ساهم في تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وفي قطاع الطاقة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر حقق المغرب نجاحات كبيرة من خلال زيادة وتكثيف الاستثمارات في مجالات الطاقة الشمسية و طاقة الرياح. ويعد مجمع ( نور) و (رزازات) من أكبر المجمعات الشمسية في العالم. وتهدف الاستراتيجية الوطنية إلى رفع مساهمة قطاع الطاقات المتجددة إلى 52% من القدرة الكهربائية المركبة ، بالتزامن مع إطلاق مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر مما يعزز أمن الطاقة ويخلق فرص استثمارية جديدة (IMF, 2025) .
وفي مجال بناء اقتصاد المعرفة والمعلومات أولت الحكومة اهتماما كبيرا بعملية التحول الرقمي عبر تبنيها استراتيجية( المغرب الرقمي 2030) والتي تستهدف رقمنة الخدمات الحكومية و تطوير البنية الرقمية وتشجيع الشركات الناشئة والابتكار في مجال صناعة البرمجيات والذكاء الاصطناعي و التكنولوجيا المالية.الا أن هذا القطاع يحتاج إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي والابتكار وخلق شراكات بين الجامعات والمعاهد العليا و الصناعة.
وفي جانب الحماية الاجتماعية أطلقت المملكة برنامجا يشمل التأمين الإجباري عن المرض كما قامت بتوسيع مظلة التقاعد و التغطية الاجتماعية. كما حقق قطاع التعليم اصلاحات كبيرة لتحسين جودة رأس المال البشري وربط المخرجات بخطط التنمية واحتياجات سوق العمل. وفي مجال العلاقات الخارجية درجت المملكة على صياغة وتطبيق سياسات تقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية وزيادة الانفتاح التجاري والاقتصادي وقد توجت ذلك بترسيخ مكانتها كشريك مهم للاتحاد الأوروبي ووسعت استثماراتها وعلاقاتها التجارية مع دول إفريقيا وجنوب الصحراء ، بالاستفادة من ميزة عضوية المملكة في منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية، وساعد ذلك في تحسين تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ، خصوصا في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية ، فضلا عن ترسيخ مكانة المملكة كمنصة إنتاج وتصدير للأسواق الأوربية و الأفريقية.
وفيما يختص بمجال الهجرة واللجوء فقد تبنت المملكة منذ عام 2013 سياسة وطنية للهجرة واللجوء أساسها تسوية أوضاع المهاجرين ودمجهم في المجتمع مع توفير فرص الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية لهم. من جهة أخرى تعمل المملكة كشريك رئيس للتعاون مع الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر ، مع التركيز على معالجة الأسباب الاقتصادية للهجرة من خلال دعم برامج التنمية في الدول الأفريقية.
تواجه المملكة المغربية ورغم هذه النجاحات ، تحديات كبيرة ، كمشكلة البطالة وسط الشباب والخريجين، مما يعكس الحاجة إلى وضع خطة لخلق فرص تشغيل في القطاعات ذات القيمة المضافة (World Bank2025). كما يعتبر الإجهاد المائي احد أبرز التحديات أمام الاقتصاد المغربي نتيجة توالي سنوات الجفاف مما أثر تاثيرا سلبيا على القطاع الزراعي و قضية الأمن الغذائي. ولمعالجة هذه المشكلة قامت الحكومة بزيادة الإنفاق الاستثماري في مجال تحلية المياه وتحديث شبكات الري وتحسين كفاءة استخدام المياه باعتبار الأمن المائي احد الشروط المهمة لاستدامة التنمية.
ويعتبر عدم التوازن التنموي داخل قطاعات الاقتصاد و ما بين الريف والحضر من أهم التحديات مما يتطلب تحقيق تنمية متوازنة ليس داخل القطاعات فحسب ، وإنما تشمل الأقاليم والمناطق الأقل نموا.
أخيرا ، يمكن القول أن المملكة المغربية قد نجحت في بناء نموذج تنموي أكثر تنوعا وانفتاحا على الخارج ، معتمدا على الصناعات الحديثة والطاقات البديلة والمتجددة و السير خطوات كبيرة نحو التحول من الاقتصاد التقليدي نحو الاقتصاد الشبكي مع قدرة عالية على الاحتفاظ بمستوى مقبول من الاستقرار الاقتصادي و جذب الاستثمارات الخارجية، غير أن مواصلة تحديث الاقتصاد المغربي تتطلب استكمال مسيرة الإصلاح الهيكلي مع توسيع وتعضيد شبكات الحماية والضمان الاجتماعي وإنشاء فرص عمل جديدة للشباب ووسط حملة الشهادات الجامعية والمضي قدما نحو رقمنة الاقتصاد وتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة وأكثر عدالة ، مما يرسخ وضع المملكة المغربية كواحدة من أهم الاقتصادات القاعدة في إفريقيا والعالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL