ثقافة

صدى رجالات أسفي في التاريخ – الحلقة الثالثة

إعداد : الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

إننا نعرف أن أسفي قد مرت مند الفتح الإسلامي بحقب من الاضطراب السياسي،حيث لم يتمكن أهلها والطارئون عليها من التفرغ لإحداث الازدهار العلمي والفكري، وهذا – على حد ما نعلم- كان هو حال المغرب عموما.. لكن المدينة في الفترات اللاحقة ومن خلال ما ألمعنا إليه سابقا، ستعرف حركة علمية مزدهرة أهلتها لتكون ضمن المدن المغربية ذات الصيت المحمود في مجال العلم والثقافة. ولعل القدر من تراجم الرجال ممن سنأتي بحول الله على ذكرهم في هذه المقالات، كان لإعطاء القارئ الكريم صورة عن الحركة العلمية بأسفي، وهي حركة تبرز حقيقتين اثنتين:
أولهما: أن رجالات أسفي من العلماء أخذوا – ومنذ وقت مبكر- في ربط الصلات العلمية بين مدينتهم وباقي الحواضر المغربية الأخرى، خاصة مراكش وفاس، وهي صلات يطبعها الأخذ والتلقي والعطاء من خلال مصاحبة رجال العلم للرواية عنهم أو التدريس والإقراء وما شابه ذلك.
ثانيهما: تبريز رجالات أسفي في غير مجال واحد من مجالات العلم. بعد ان نهلوا من أعلام وقتهم وأفادوا من علومهم، وهذا الأمر، كان من أسباب الحضور القوي الذي عرفته المدينة في حقل العلوم والآداب مند منتصف القرن الخامس الهجري، أي مع ظهور المرابطين، حيث نشطت معاهدها العلمية، واتسعت خزانات الكتب بها، واشتدت رغبة رجالها إلى الاستزادة من طلب العلم.
وقد ذكر الفقيه الكانوني رحمه الله، أسماء هؤلاء الرجال وتراجمهم وأسماء شيوخهم ومؤلفاتهم، وبين مكانتهم العلمية، وبذلك تكون مدينة أسفي قد أسهمت بقدر كاف في تقديم خدمات جليلة لهذا الوطن خاصة في المجال العلمي والثقافي، كما عمل رجالها الأبرار على ربط الصلات العلمية بين باقي المدن المغربية المجاورة منها أو البعيدة ، بغية الحفاظ على الوحدة الروحية والفكرية، مما جعلها تتبوأ المكانة اللائقة بها بين حواضر المغرب. وما كان لهؤلاء الرجال أن يحظوا بهذه المكانة لولا ما وجدوه في الدولة الحاكمة، ولاسيما في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين من تشجيع  لهم على الانتفاع والتواصل والتبادل ،  فكان رجال العلم  خير وسيلة لتوثيق صلات مدينتهم بمختلف المدن المغربية.


نستهل الحديث عن رجالات أسفي عبر التاريخ بما ورد في كتاب الفقيه أحمد الكانوني، “جواهر الكمال في تراجم الرجال”… فالمتصفح لهذا الكتاب، يلاحظ أن المؤلف وفضلا عما قدمه من تراجم، فهو يضيف معلومات كثيرة عمن ترجم لهم. بل يذكر بيئاتهم وبلدانهم ومن عاش في هذه البلدان خصوصا مدينة أسفي، من ساسة ورجال حكم، أمراء أو قضاة؛ ومن رجال معرفة وثقافة، فقهاء أو علماء أو أطباء… كل ذلك جمعه هذا الكتاب، بحيث تتناسق ترجماته وتلتئم أخباره.
نحن إذن إزاء كتاب مهم يقدم  فوائد محققة في تاريخ مدينة أسفي، لا من حيث الترجمة لرجالاته فحسب، بل أيضا من حيث تصور الحركات العلمية في أسفي وما جاورها.
وفي الكتاب نجد ذكرا لبعض السلاطين، كالسلطان أبي الحسن المريني، وولده أبي عنان، وكالسلطان أبي الربيع المولى سليمان بن محمد العلوي. والسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان العلوي  وغيرهم… ونجد حول هؤلاء من الأشراف: أبا العباس احمد بن أبي محمد صالح، وأبا العباس احمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي محمد صالح وغيرهما. ومن القضاة نجد أبا العباس احمد بن مولود القاسمي، والسيد محمد بن سليمان، والسيد أحمد بن يعيش الخلفي العامري المدعو الخليفة أبو العباس .. وغير هؤلاء كثير… ومن العلماء يذكر المؤلف: السيد أحمد بن اسعيد البحير أبو العباس،والسيد أحمد بن بوشعيب بن زروق العامري.. إلى غير ذلك من العلماء والفقهاء الذين تعج بهم صفات الكتاب المذكور، أضف إلى هذا ما ذكره من أسماء الشعراء كالأديب السيد عبد الله  بن أبي بكر بن علي الناصري، والشاعر أحمد بن حسين بن علي أبوا العباس الشهير بابن الخطيب، وعبد الله  محمد بن عبد العزيز الأندلسي المدعو بابن عزوز، وكذا الشاعر أبو الخطيب أبو حفص الفاسي ، وابن طاهر الهواري، وقس على ذلك من الشعراء الذين استشهد بأشعارهم في ثنايا كتابه.
وبذلك، نستطيع أن نعرف كل ما كانت تموج به مدينة أسفي عبر العصور من علماء وقضاة وشعراء وغيرهم، نضيف إلى هذا، ذلك الركام من الأخبار والأشعار يسوق بعضه بعضا، كأننا أمام سيل لنهر كبير.. وليس هذا النهر إلا كتاب: “جواهر الكمال في تراجم الرجال”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض