
كشفت جريدة لوموند الفرنسية، في عددها الأخير، استنادا إلى مصادر أمنية فرنسية ومالية، عن معطيات حساسة تتعلق بوجود روابط وصفتها بـ”الملتبسة” بين دوائر في النظام الجزائري وزعيم الجماعات الجهادية في الساحل إياد آغ غالي، قائد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة.
وأعاد التقرير الفرنسي فتح ملف التداخلات الأمنية في منطقة الساحل، في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بتصاعد نفوذ التنظيمات المسلحة، وتراجع حضور بعض القوى الدولية.
وحسب ما أوردته لوموند، فإن علاقات مسؤولين جزائريين بآغ غالي “تظل أكثر غموضا”، إلا أن عدة مصادر أمنية مالية وفرنسية تؤكد، وفق التقرير ذاته، أنه يستفيد من قدر من التساهل من قبل أجهزة الاستخبارات الجزائرية، التي يعتقد أنها توظفه، على نحو غير مباشر، للتأثير في موازين القوى داخل مجتمع الطوارق بشمال مالي، ما يسلط الضوء على طبيعة التفاعلات المعقدة بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في فضاء صحراوي هش تتقاطع فيه المصالح الأمنية والرهانات الجيوسياسية.
ولم يقف التقرير الفرنسي عند الأحداث الأخيرة في منطقة الساحل، بل عاد إلى الجذور التاريخية لبروز التيارات المتطرفة في المنطقة، مذكرا بأن صعود التيارات المتشددة في شمال مالي مطلع الألفية ارتبط بنشاط الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، التي نقلت جزءا من خبراتها وشبكاتها إلى العمق الصحراوي، ما أسس لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار، سرعان ما تحولت إلى تهديد عابر للحدود طال مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وتعد الجماعة السلفية للدعوة والقتال أحد أبرز الفاعلين في الحرب الأهلية الجزائرية خلال تسعينيات القرن الماضي، المعروفة بـ”العشرية السوداء”، والتي خلفت نحو 250 ألف قتيل وفق تقديرات متداولة.
ووفق ما نقلته لوموند، فقد تعرضت هذه الجماعة تدريجيا لاختراق وإعادة توجيه من طرف جهاز الاستخبارات الجزائري، دائرة الاستعلام والأمن (DRS)، قبل أن يعاد توظيفها كأداة نفوذ غير مباشر في بلدان الساحل.
وتأتي هذه المعطيات في سياق تحولات عميقة تعرفها المنطقة، بعد انسحاب أو تقليص وجود بعض القوى الغربية، وارتفاع منسوب الانقلابات العسكرية في دول الساحل، مقابل توسع نفوذ الجماعات المسلحة التي أعادت ترتيب صفوفها تحت مظلات تنظيمية جديدة، أبرزها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد آغ غالي، الذي تمكن خلال السنوات الأخيرة من تعزيز حضوره الميداني، مستفيدا من هشاشة الدولة المركزية في شمال مالي وتعقيدات المشهد القبلي.
وتعيد هذه الاتهامات طرح أسئلة استراتيجية حول طبيعة الأدوار التي تلعبها أجهزة استخبارات إقليمية في إدارة الصراعات غير المتماثلة، ومدى توظيف بعض الفاعلين المسلحين كورقة ضغط أو أداة نفوذ. كما تفتح النقاش بشأن مستقبل الاستقرار في الساحل، في ظل استمرار التهديدات الإرهابية وتداخل الحسابات السياسية والأمنية.
ورغم حساسية ما ورد في التقرير، تبقى هذه المعطيات في إطار ما تنقله مصادر أمنية، في انتظار ما قد تكشفه تطورات لاحقة، إلا أن الثابت هو أن منطقة الساحل تظل ساحة مفتوحة لتقاطعات معقدة، حيث تختلط خطوط المواجهة العسكرية بخيوط التأثير السياسي والاستخباراتي، في مشهد إقليمي لا يزال بعيدا عن الاستقرار.






















