ثقافة

فيلم الكاتب العمومي .. حكاية رمادية عن مراسلات الإنسان، ونهاية الأيام

عبد اللطيف أفلا

السينما، ذلك الواقع المؤطر الذي يلمم الأفكار وينثرها في مشهد واحد، ذلك المجال الذي يختزل كل المواقف والأحداث والانطباعات والقصص خيالية وواقعية، ويختزل التاريخ كذلك في وصفة فنية مؤثرة. اتخذ من القناة الأولى المغربية ليلة هي بألف ليلة وليلة.

ليلة الفيلم القصير أسبوعيا كل جمعة.

كرمت الكثير من الأفلام التي عُرضت في تلك الليالي جيل الرواد، واتخذت من شهر مارس الماضي مُنطلقا لبدء العرض، وافتتاحا بأفلام قصيرة كلها من إخراج نسائي، تألقت في مجملها بما حملته من رسائل وأفكار توقف مغازل الزمن من أجل معانيها العميقة.

وقد سلب فيلم الكاتب العمومي لمخرجته وصاحبه فكرته، مريم عدو، أذهان هواة الأفلام والمهتمين بالخلق السينمائي، والذين أخلصوا جميعهم، لموعد ليلة الأفلام القصيرة التي تقدمها القناة الأولى أسبوعيا.

رغم بساطة إنتاج شريط الكاتب العمومي كما يبدو، فإنه وإن كان قصير المدة، فإنه طويل بأبعاده ودلالاته الرمزية، وإشاراته الموحية، التي تتوزع في كل أزمنة وأمكنة المشاهد خارجية وداخلية.

ومن حيث لا تدري ستجد نفسها مقحما بطاقاتك وقراءتك الفيلمية لهذا العمل، كما ستلعب دورك فيه ليشتكي او تراسل، و ستعيش ودون أن ترتجل عن مكانك، هذا الجزء من الحياة.

بساطة الإنسان، ومراسلاته بالعربية والأمازيغية لحل تحديات حياته، أو الشكوى من الجاهلين..

وبصدق، وكما شهد المختصون في السينما، ومن يحترفون بالقراءة الفيلمية الصحيحة ليس في المغرب لوحده، بل في العالم العربي، فإن مخرجة الكاتب العمومي، تفوقت في خلق هذا العمل بطريقة تجاوزت الشريط الوثائقي بعفويتها، وذلك باعتمادها شخصيات حقيقية بسيطة من أهالي مدينة الخميسات، ودون إعدادهم للتصوير أو إيقاف حركية مكتب الكاتب العمومي، كما لو أنك تتفرج على كاميرات المراقبة بالمحل.

حاورنا المخرجة والمنتجة مريم عدو حول فكرة عملها ذاك، فقالت:

فكرة فيلم الكاتب العمومي، جاءت بمحض الصدفة، حيث أنني في الفترة التي كنت منهمكة في إنتاج شريطي الوثائقي، نساء معلقات الذي كلفني أزيد من 6 سنوات، والذي كانت عدد من مشاهده الداخلية تُصور بمكتب الكاتب العمومي، وقتها أُعْجبت بذاك الفضاء وأُلهِمت بتلك الفكرة دون سابق تصور أو تفكر، وحينها قررت إنجاز شريط الكاتب العمومي، وذلك لأن ذاك الفضاء يشكل عالما مصغرا لحياتنا اليومية، وهموم ومشاكل المجتمع.  

في البدء صممت أن يكون التصوير داخليا فقط، بيد أنني وإلحاحا على ضرورة نقل الأحداث بكامل العفوية، ومن جهة أخرى، اعتبارا مني لعدم التأثير على نشاط الكاتب العمومي، وعلى ارتياد الزبناء، وذلك لما يقرب من 6 أشهر من التصوير، جاءت ضرورة تواجد مشاهد خارجية كذلك

يحمل فيلم الكاتب العمومي العديد من الرسائل والدلالات، ومن بينها الصحف اليومية التي يقرؤها الكاتب، وحين ينتهي منها يركمها فوق سابقاتها من الصحف، وهو ما يوحي بدلالة توالي الأيام والأحداث على خط الزمن، لكن ما يعطي قراءة فلسفية بعيدة لرمزية تلك الجرائد، هي عندما يأتي محصل البقايا والأشياء القديمة، وهو على متن دراجته ثلاثية العجلات مناديا: “قْراعي لبييع !! قْراعي لبييع !!”، ثم يتسلم كل الجرائد المتراكمة ليحملها إلى بقايا الماضي، أو نفايات التاريخ فاقدة المعنى، والمعنى نهاية الأيام.

كثيرون إن لم نقل الكل، لاحظوا شحابة في كل مشاهد الفيلم، حتى أصبح يبدو كلوحة زيتية، فما معنى ذلك؟

مريم عدو:

وإن كان التصوير ليس بسيطا، وتطلب 6 أشهر من الزمن، فإن شحابة الصورة، وبساطة المونتاج، والميكساج، وعدم معالجة الألوان، وعدم استعمال المؤثرات المرئية والصوتية، بل الإبقاء على الخلفية الصوتية الأصلية للمكان، وعدم استعمال أي موسيقى، كان عن قصد، وذلك من أجل ربطها بالجرائد اليومية، وإقحام المشاهد في معيش بسطاء أهالي تلك المنطقة السكنية، وبساطة الإنسان بشكل عام 

المخرجة مريم عدو، بتكوينها الجامعي، وشواهدها الأكاديمية العليا، و بتجاربها المهنية وتكوينها في إخراج وإنتاج الأشرطة الوثائقية بدرجة الماجستير، ناهيك عن مسارها الصحفي في العديد من المنابر الإعلامية العربية والدولية، بحكاية الكاتب العمومي، تؤكد بأن التقنيات الرقمية ومعدات التصوير الثقيلة، ليست وحدها التي تنسج الخيال والأحلام، وتبلغ الرسائل والأفكار، بل المعرفة والثقافة والبحث،هي التي تجعل من العمل السينمائي لوحة فريدة في كل أروقة الإبداع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض