تأملات

{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان 72

الحمد لله الذي منع الناس من شهادة الزور، ومنح على شهادة الحق الثواب والأجور، وأشهد أن لا إله إلا الله التواب الغفور، وأشهد أن سيدنا محمدا رسوله وعبده الشكور، شهادة نزداد بها من الاقتداء به في جميع المسائل والأمور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى نهاية الأزمان والدهور.

أما بعد : فيا أيها الإخوة والأخوات : قد قدمنا لكم سلسلة من صفات عباد الرحمن الحميدة، فتعالوا بنا اليوم نكشف الستار على الآية الكريمة مع قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان 72. [1]

الوقفة الأولى: في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي: لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور: كل باطل زور وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد، ومنه أعياد المشركين. وقال مجاهد ومحمد بن الحنفية: لا يشهدون اللهو والغناء. وقال علي بن طلحة: يعني شهادة الزور[5].
أمّا الشرك وتعظيم الأنداد، فيكفي فيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ النساء 48. [6]،
وأمّا الكذب وشهادة الزور: فيكفي أن الكذب يهدي للفجور، والفجور يهدي إلى النار، ويكفي ما قيل في شهادة الزور ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي بَكْرة رضي الله عنه قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. رواه البخاري ومسلم[8].

وأمّا الغناء واللهو الماجن: فقد جاء تحريمه في الكتاب والسنّة ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك.. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾لقمان [10].
قال أهل العلم: إن المراد بـ (لهو الحديث) الغناء.

حتى قال عبد الله بن مسعود: «إن الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ»[11]،

أيها الإخوة والأخوات؛ إن الشهادة هي معيار لتمييز الحق من الباطل، وميزان يفصل الدعاوى الصادقة من الكاذبة، فهي بمنزلة الروح للحقوق، فالله أحيا النفوس بالأرواح الطاهرة، وأحيا الحقوق بالشهادة الصادقة، وهي ضرورية لقيام الحياة الاجتماعية، ولإصلاح ما يصحبها من أحداث وتصرفات، ووقائع ومعاملات، واتصالات وعلاقات.

قال إمام التابعين القاضي شريح -رحمه الله-: “الحكم داءٌ والشهادة دواءٌ، فأفرغ الدواء على الداء”.
لقد أمر الله تعالى بإقامة الشهادة لله، دون خوف ولا طمع فقال: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}، فيجب إقامتها ولو على النفس، أو أقرب الأقربين، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}؛ ومدح القائمين بها فقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ}، لأنها أساس لإثبات الحدود، وطريق لإظهار الحقوق.

فالواجب إقامتها عن مشاهدة وعيان، وعن علم صحيح، وبيان واضح، قال تعالى: {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، ويقول عز وجل حكاية عن إخوة يوسف: {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا}.

وفي إقامة الشهادة أربعة أحكام:
● وجوب التحمل
● ووجوب الأداء
● وتحريم الكتمان
● وتحريم الزور.

1) أما وجوب التحمل، فإن من دُعي إلى الشهادة على عقد أو تصرف أو حدث، وجب عليه أن يتحمل تلك الشهادة، والله تعالى يقول في البيع والشراء: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}، ويقول عز وجل في الطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، و في شأن تسليم الأموال والودائع يقول الحق تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ}.

2) أما وجوب الأداء فهو فرض، يقول الله عز وجل: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، ومن امتنع عن الأداء فهو آثم.

3) أما الكتمان فهو أمر مذموم شرعًا، ومبغوض طبعًا، يكفي في ذلك قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}، ولم يحمِّل الله تعالى للقلب إثمَ أية جريمة، إلا جريمة كتمان الشهادة، وجريمة التعتيم على الحقيقة، لأن الكتمان جرم عظيم، والتعتيم إثم كبير، يقول الله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين}، قال ابن عباس -رضي الله عنه- “شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك”.

4) أما شهادة الزور فهي الجريمة العظمى والطامة الكبرى، وهي شهادة الإنسان على ما لا يعلم، أو شهادته بخلاف ما يعلم، وهي من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، واضحة الأضرار، سيئة الآثار، كثيرة الأوزار، تُحَوِّل الشهادة عن وظيفتها، فتكون سندًا للباطل بدل الحق، وعونًا للجور مكان العدل، كيف لا؟ وهي سبب لطمس معالم الإنصاف، وطريقٌ لفساد الأحكام، وسبيل لتقويض الأمن والأمان، وأداة للتعتيم والتضليل.

قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا}، وروى الترمذي أن النبيﷺ قام خطيبًا فقال: “أيها الناس عَدَلَتْ شهادةُ الزور إشراكًا بالله، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}”،
وقد ذكر الله تعالى صفاتٍ عالية المقام من صفات المؤمنين الصادقين في آخر سورة الفرقان، ورتب عليها ثواباً عظيماً، حيث قال في آخرها: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا}.
فلما كانت هممهم ومطالبهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات وقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين، وذلك بسبب صبرهم، حتى نالوا ما نالوا، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، ولهذا قال هنا: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ من ربهم، ومن ملائكته الكرام،
وفي الختام: إن شهادة الزور ليست جريمة واحدة؛ بل هي جريمة مركبة من عدة جرائم وكبائر، وزور يتشكل في كثير من الأوزار، فهي تشتمل على الكذب وعلى النفاق، وعلى الظلم، وعلى الاعتداء، وعلى أكل أموال الناس بالباطل، وعلى تضليل القضاء، وعلى التعتيم الإعلامي، وغالبا ما تكون مصحوبة في المحاكم بجريمة الرشوة، لأن الذي يشهد ضد الحق لصالح الظلم، لا يفعل ذلك مجانا، بل يأخذ مقابل ذلك رشوة تعرضه للعنة العامة، فيكون ملعونا في الدنيا من ضميره، ثم من المظلوم الذي انتزع منه حقه بزوره ووزره، وفي الآخرة يكون ملعونا من الله ورسوله.

فاللهم انا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر الا اليك، ومن الذّل إلا لك، ونعوذ بك أن نقول زورا، أو نغشى فجورا، أو نكون بك مغرورا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين

عبد الرحمان سورسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض