ثقافة

صدى رجالات أسفي في التاريخ – الحلقة 66

إعداد: الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

الأستاذ عبد الرحيم العطاوي :
     لو شئت الحديث عن الأخ والصديق العزيز الأستاذ الدكتور عبد الرحيم العطاوي ، لاحتاج ذلك مني إلى مجال لا يتسع له هذا الحديث عن إيفائه ما هو له مستحق وبه جدير . تعرفت إلى الرجل وأنا حديث العهد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط عام 1976 حيث كنت أتابع دراستي الجامعية ، وكان السي عبد الرحيم حينها مكلفا بمصلحة الشؤون الطلابية ، قبل أن يعمل محافظا لخزانة الكلية . وفي تلك المصلحة وهاته ، كان خير مساعد للطلبة ، يخدمهم ويمدهم بما هم في حاجة إليه . عرفته نظيف السريرة والسيرة ، رقيق التعامل ،   يتحلى بنزاهة فكرية واستقامة سلوكية ، كما يتمتع بهدوء في الطبع ولطف في المعشر مغمور بالصدق والوفاء والإخلاص ، في همة عالية وأنفة شماء وتواضع جم ..فهو من المثقفين المغاربة المميزين ، بعيد عن الأضواء ، يعيش حاضره بكل خصائصه وتجلياته . وإذ أنسى ، لا أنسى ـ ونحن طلبة ـ أنه أسس لنا وعيا قرائيا من خلال تشجيعه وتيسير عملية اقتناء الكتب من خزانة الكلية . ومثل هذه الشيم قمينة بالاعتبار والتقدير .
ولد السي عبد الرحيم العطاوي بأسفي عام 1940 ، وبعد أن اشتد عوده ، التحق بالكتاب بدرب الفقيه الضراوي عند الطالب السي سلام الذي عرف بالشدة والصرامة مقابل طيبوبة في السلوك والتعامل . بعد ذلك ، تابع دراسته الابتدائية بمدرسة تراب الصيني ، ثم   الثانوية  بمؤسسة ابن خلدون عام 1953 ليحصل على شهادة التعليم الثانوي (Brevet)
ويلتحق بمدرسة المعلمين بمراكش ليصبح معلما للغة الفرنسية بمدرسة تراب الصيني لمدة عامين اثنين . إضافة إلى حصوله على دبلوم في الترجمة من المعهد العالي للدراسات العليا المغربية بالرباط .. وفي عام 1961 انتقل السي عبد الرحيم إلى الاتحاد السوفياتي(روسيا حاليا ) لاستكمال دراسته ، فتم تسجيله بالكلية التحضيرية ، جامعة  “لومونوسوف ” بموسكو وفيها حصل على الباكالوريا التي أهلته لمتابعة دراسته الجامعية بكلية الفيلولوجية ، تخصص اللغات السلافية . حيث حصل السي عبد الرحيم على الماستر في الفيلولوجية والأدب الروسي من جامعة لينينغراد سانبترسبور سنة 1967 ودكتوراه الدولة سنة 1994 من جامعة الحسن الثاني ( عين الشق ) في موضوع : ” الدراسات العربية والإسلامية في روسيا ” تحت إشراف أستاذنا الجليل الدكتور سيدي أحمد الطريسي حفظه الله . بعد ذلك ، عمل السي عبد الرحيم أستاذا بالمعهد الجامعي للبحث العلمي الذي كان يديره آنذاك الدكتور عبد الكبير الخطيبي ، كما اشتغل  بمعهد التعريب على عهد الأستاذ أحمد لخضر غزال ، قبل أن يلتحق بكلية الآداب بالرباط سنة 1972 ليعمل محافظا على خزانتها . وإليه يعود الفضل في تأسيس قسم اللغة الروسية ، مقتنعا بجدوى تلقين اللغة الروسية وثقافتها ، مؤمنا بضرورة الاشتغال على الأدب الروسي إلى جانب الكتابات الروسية الاستشراقية ..  فقد   ” كان للدور الذي لعبته المجموعات الهائلة من المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الروسية أثر بالغ الأهمية على مسيرة المدرسة الاستشراقية الروسية. وعلى الرغم من ذلك ، فإن تاريخ الاستشراق الروسي في مجال دراسة الدين الإسلامي يبقى، رغم وجود عدد من الدراسات المتفرقة في بعض المجالات، غير معروف. لذا كان من الضروري إبراز هذا الدور، خاصة وأن دراسة المخطوطات العربية الإسلامية شكلت نقطة انطلاق الاستشراق العلمي العالمي”.ولعل كتابه  “الاستشراق الروسي ” يعطي صورة شاملة للعلاقات التي كانت تربط الروسيين القدامى بجيرانهم المسلمين، وكذلك لمختلف المراحل التي قطعها الاستشراق الروسي حتى يتكون لدى القارئ العربي تصور عام للموضوع.
وغاية المؤلف إعطاء نظرة تاريخية لمسيرة المدرسة الاستعرابية الروسية منذ نشأتها إلى حدود منتصف القرن العشرين، فيكون بذلك قد مهد الطريق للبحث المستقبلي في هذا المجال المتمثل أساساً في دراسة مميزات الاستعراب الروسي من خلال أعلامه ومؤلفاتهم
لذلك ، كان اهتمام السي عبد الرحيم العطاوي بالدراسات الاستشراقية الروسية يقوم على أساس ربط جسور التلاقي والتفاهم بحكم العلاقات القوية والمتينة القائمة بين المغرب وروسيا . وهكذا عمل على تأليف مجموعة من الكتب بغية تأصيل هذه الروابط ومدها بما يتيح لها الاستمرار والتوهج .
ومن ضمن كتبه كذلك ، نجد ” المشموم الزاهي المختار من قصائد شعراء روسيا الكبار ” وهو عبارة عن أنطولوجية للشعر الروسي صدر له عام 1998 ، ثم ” المغرب وروسيا عبر التاريخ ..” عام 2011 وكذا ” الاستشراق الروسي ، مدخل إلى تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في روسيا ” .نذكر كذلك كتابه بعنوان :” من روائع الشعر الروسي ” حيث اختار مجموعة من القصائد لأبرز الشعراء الروس في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ترجمها من اللغة الروسية إلى اللغة العربية ، وهو إنجاز مهم أغنى به المؤلف الخزانة العربية بهدف التعريف بالآداب الروسي في المغرب والعالم العربي .
وقد توجت جهود الأستاذ العطاوي في هذا المجال بحصوله على المرتبة الثانية في المسابقة العالمية لترجمة الشعر الروسي التي نظمها معهد الترجمة بموسكو في فترة الاتحاد السوفياتي ، تحت شعار :” لنطالع روسيا”  إضافة إلى حصوله على جائزة قدمتها له الحكومة الروسية للأدباء الذين يكتبون بالروسية تحمل اسم جائزة ” أمير شعراء روسيا ألكساندر بوشكين ”  .
لم يكن هذا الاهتمام ليصرف السي عبد الرحيم العطاوي عن الكتابة والبحث عن تاريخ وحضارة مسقط رأسه أسفي . فكلما أتيحت له فرصة المشاركة في أمر ثقافي وفكري يهم مدينته ، إلا ويهب مسرعا لتقديم ما يمكن أن يفيد المدينة ويغني الحركة الأدبية والفكرية والثقافية والعلمية بها . ومن إنجازاته في هذا المجال ، تقديم وتحقيق كتاب الفقيه أحمد الصبيحي ” باكورة الزبدة من تاريخ أسفي وعبدة عام 1994 بالاشتراك مع الدكتور محمد الظريف . ثم كتابه القيم بعنوان : ” كتابات أحمد بن محمد الصبيحي السلاوي حول أسفي ، تقديم وتحقيق .. وكذلك بحثه القيم حول ” المعجم المقارن لأسماء السمك بأسفي .” وغيرها من المساهمات القيمة .
هذا هو السي عبد الرحيم العطاوي واحد من رجالات أسفي من ذوي معالم النبوغ والنجابة ، وملامح الذكاء والنباهة والعقل الراجح والضمير الحي والفكر المتحرر .
حفلت حياته بإنتاج خصيب موصول وبما زخرت به من عطاء فكري وثقافي  كان له فيه ظهور بارز ، ما فتئ يتابعه ويغنيه دون ملل ولا كلال . أمد الله له في حياته بالصحة والعافية والنشاط ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض