
لم تعد الروائح الكريهة في الدار البيضاء مجرد ظاهرة موسمية أو مصدر إزعاج عابر، بل تحولت إلى قضية بيئية وصحية تثير قلق آلاف الأسر التي تجد نفسها، خاصة خلال ساعات الفجر أو الليل، مضطرة إلى إغلاق النوافذ والشرفات هربا من هواء مشبع بروائح خانقة مجهولة المصدر.
وبينما تتجه الأنظار إلى مطرح مديونة أو بعض الوحدات الصناعية باعتبارها مصادر محتملة لهذه الانبعاثات، تتزايد المطالب بفتح تحقيقات دقيقة للكشف عن أسباب الظاهرة واتخاذ إجراءات صارمة لحماية صحة السكان.
تلوث الهواء يحرم البيضاويين من هواء الصباح النقي
يترقب سكان عدد من أحياء الدار البيضاء وضواحيها ساعات الفجر للاستمتاع بنسمات الصباح المعتدلة، غير أن هذا الموعد اليومي تحول بالنسبة إلى كثيرين إلى لحظة قلق، بعدما أصبحت روائح كريهة تنتشر بشكل متكرر في أوقات محددة، خصوصا خلال الساعات الأولى من الصباح أو في فترات متأخرة من الليل.
وتختفي هذه الروائح أحيانا لأيام، قبل أن تعود بشكل مفاجئ، ما يزيد من حالة الغموض حول مصدرها الحقيقي. ويرجح بعض السكان أن تكون مرتبطة بانبعاثات مطرح مديونة، فيما يوجه آخرون أصابع الاتهام إلى أنشطة صناعية قد تعتمد على حرق النفايات أو المواد الكيماوية، في ظل غياب معطيات رسمية تحدد مصدر هذه الانبعاثات بشكل واضح.
وأمام تكرار الظاهرة، أصبحت العديد من الأسر تضطر إلى إغلاق النوافذ حتى في أكثر ليالي الصيف حرارة، حفاظا على سلامتها، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان مع تراجع جودة الهواء.
مخاطر صحية تهدد الأطفال ومرضى الجهاز التنفسي
يحذر مختصون من أن استمرار التعرض للهواء الملوث قد يخلف انعكاسات صحية مقلقة، خاصة بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الربو والحساسية والأمراض التنفسية المزمنة، فاستنشاق الغازات والملوثات الهوائية قد يؤدي إلى تهيج الشعب الهوائية، وارتفاع وتيرة نوبات الربو، إضافة إلى الشعور بحرقان العينين، وجفاف الحلق، واحتقان الأنف والتهاب الجيوب الأنفية، وهي أعراض ترتبط عادة بالتعرض لمواد ملوثة أو غازات قد تؤثر سلبا على الجهاز التنفسي.
كما أن اضطرار السكان إلى إغلاق منازلهم خلال الليل، بسبب انتشار الروائح، ينعكس على جودة النوم، ويزيد من حالات الأرق والتوتر والضغط النفسي، وهو ما يؤثر بدوره على النشاط اليومي والإنتاجية، فضلا عن احتمال تعرض الأطفال لتأثيرات بعيدة المدى نتيجة استنشاق هواء غير سليم خلال مراحل نموهم.
تحقيق بيئي وخطة عاجلة لتحسين جودة الهواء
ويرى متابعون للشأن البيئي أن استمرار هذه الظاهرة دون تحديد مصدرها بدقة يطرح تساؤلات حول فعالية منظومة المراقبة البيئية، ويستدعي تعزيز عمليات الرصد وتتبع مصادر الانبعاثات، سواء كانت مرتبطة بالمطارح، أو الأنشطة الصناعية، أو شبكات الصرف الصحي التي يشتكي سكان بعض الأحياء أيضا من الروائح المنبعثة منها.
ويؤكد مهتمون بالشأن البيئي أن مدينة بحجم الدار البيضاء، التي تراهن على تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية، مطالبة بوضع استراتيجية متكاملة لتحسين جودة الهواء، تشمل تكثيف المراقبة البيئية، واعتماد محطات لقياس التلوث بشكل مستمر، وتشديد الرقابة على الأنشطة المسببة للانبعاثات، مع تفعيل الإجراءات القانونية في حق المخالفين.






















