
أعاد قرار تعطيل مشروع استحواذ مجموعة “أكديطال” المغربية على عدد من المصحات الخاصة في تونس إلى الواجهة النقاش حول مناخ الاستثمار بين البلدين، وحول تأثير التوترات السياسية والإقليمية على المبادلات الاقتصادية في منطقة المغرب العربي، فبينما كانت المجموعة المغربية تراهن على توسيع حضورها الإقليمي من خلال دخول السوق التونسية، تفيد معطيات إعلامية بأن المشروع اصطدم بعراقيل حالت دون إتمام الصفقة، ما أثار تساؤلات بشأن خلفيات القرار وانعكاساته على جاذبية السوق التونسية بالنسبة للمستثمرين المغاربة.
“أكديطال” تبحث عن التوسع خارج المغرب
تعد مجموعة “أكديطال” واحدة من أبرز الفاعلين في قطاع الصحة الخاصة بالمغرب، حيث نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء شبكة واسعة من المصحات والمراكز الطبية المتخصصة بمختلف مدن المملكة. ومع تنامي حجم استثماراتها، بدأت المجموعة تتطلع إلى أسواق خارجية، خصوصا داخل القارة الإفريقية ومنطقة شمال إفريقيا.
وكانت تونس تمثل وجهة طبيعية لهذا التوسع بحكم القرب الجغرافي والتقارب الثقافي، فضلا عن امتلاكها قطاعا صحيا خاصا يتمتع بخبرة طويلة في مجال الخدمات الطبية والاستشفائية، إلا أن المشروع لم ير النور، بعدما جرى الحديث عن عراقيل حالت دون استكمال عملية الاستحواذ.
ورغم عدم صدور توضيحات رسمية مفصلة بشأن أسباب التعثر، فإن القضية أثارت اهتمام المتابعين للشأن الاقتصادي المغاربي، خاصة أن الأمر يتعلق باستثمار في قطاع حيوي يرتبط بالخدمات الصحية.
بين الاقتصاد والسياسة
يرى عدد من المراقبين أن قراءة هذا الملف بمعزل عن السياق السياسي الإقليمي تبدو صعبة، فمنذ سنوات تشهد العلاقات المغربية التونسية فترات من التوتر الدبلوماسي، خصوصا بعد مواقف تونس المتعلقة بملف الصحراء المغربية، والتي تعد خروجا عن الحياد التقليدي الذي ظلت تونس تعلنه لعقود.
وأثارت بعض الخطوات الدبلوماسية التونسية، خلال السنوات الأخيرة، انتقادات واسعة في المغرب، حيث رأى مراقبون وسياسيون مغاربة أنها تصب في اتجاه التقارب مع الطرح الجزائري بشأن قضية الصحراء المغربية.
رسالة سلبية للمستثمرين أم قرار سيادي؟
يثير تعطيل مشروع استحواذ مجموعة مغربية بحجم “أكديطال” مخاوف لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين بشأن وضوح قواعد الاستثمار الأجنبي في تونس، فالمستثمر يبحث عادة عن بيئة تتسم بالاستقرار والوضوح القانوني وقابلية التنبؤ بالقرارات الإدارية.
وفي حال تأكدت المعطيات المتداولة حول ارتباط قرار التعطيل بهوية المستثمر أو جنسيته، فإن ذلك قد يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الراغبين في دخول السوق التونسية.
ويأتي هذا الملف في وقت تحتاج فيه اقتصادات المنطقة إلى مزيد من التكامل والتعاون لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، بدلا من توسيع هوة الخلافات السياسية التي غالبا ما تنعكس على المبادلات التجارية والاستثمارية.
مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الرباط وتونس
يكشف ملف “أكديطال” أن العلاقات الاقتصادية في منطقة المغرب العربي لا تزال رهينة إلى حد كبير بالتقلبات السياسية والدبلوماسية، فبينما يمتلك المغرب وتونس إمكانيات مهمة للتعاون في قطاعات الصحة والسياحة والصناعة والخدمات، فإن استمرار التوترات السياسية قد يحد من فرص بناء شراكات اقتصادية قوية ومستدامة.
وبانتظار صدور توضيحات رسمية بشأن مصير الصفقة، يظل هذا الملف مؤشرا جديدا على حجم التداخل بين الاقتصاد والسياسة في المنطقة المغاربية، وعلى التحديات التي تواجه المستثمرين عندما تتقاطع الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية.





















