
رغم أن مدينة الدار البيضاء تخصص، في كل ولاية جماعية، أكثر من 20 مليار سنتيم للقطاع الثقافي، فإن الحصيلة على أرض الواقع، وفق متابعين، لا تعكس حجم هذه الاعتمادات المالية، إذ لا تزال المدينة تفتقر إلى استراتيجية ثقافية واضحة قادرة على تحويل هذا الإنفاق إلى مشاريع مستدامة ومؤثرة، تواكب مكانتها كعاصمة اقتصادية للمملكة.
ويؤكد مهتمون بالشأن المحلي أن أغلب التظاهرات التي تنظم تحت مسمى “مهرجانات” تظل موسمية وعابرة، ولا تحقق تراكما ثقافيا أو فنيا، كما أنها لا تنطلق من رؤية تؤسس لهوية ثقافية خاصة بالمدينة، بل تكتفي ببرامج ظرفية تنتهي بانتهاء فعالياتها دون أن تترك أثرا يذكر لدى الجمهور أو المشهد الثقافي.
إنفاق كبير.. ومستفيدون محدودون
ويرى متابعون أن الجزء الأكبر من الميزانيات المرصودة يذهب إلى الجوانب اللوجستية المرتبطة بتنظيم التظاهرات، من قبيل منصات العروض، والتجهيزات الصوتية والضوئية، وشركات التموين، إضافة إلى الفنانين الذين يحيون السهرات الشعبية مقابل تعويضات مرتفعة بدعوى قدرتهم على استقطاب الجمهور.
وفي المقابل، تبقى التعويضات المخصصة للمسرحيين والكتاب والمثقفين والفنانين التشكيليين والمجموعات الموسيقية ذات الطابع الثقافي محدودة، وهو ما يكرس، بحسب منتقدين، اختلالا في أولويات الإنفاق الثقافي، ويجعل الاستثمار في الإنتاج الفكري والإبداعي آخر اهتمامات الجهات المنظمة.
كما يسجل غياب التنسيق بين مجلس المدينة والمقاطعات في إعداد البرامج الثقافية، إذ تعمل كل جهة بمنطق منفصل، ما يؤدي إلى تكرار الأنشطة نفسها في أكثر من منطقة، دون توزيع متوازن للتظاهرات أو مراعاة خصوصيات مختلف أحياء العاصمة الاقتصادية.
معرض الكتاب.. بداية التراجع
ويعتبر عدد من الفاعلين أن تخلي مجلس مدينة الدار البيضاء عن احتضان المعرض الدولي للنشر والكتاب شكل نقطة تحول بارزة في تراجع الدور الثقافي للمدينة، خاصة أن هذا الحدث كان يمثل إحدى أبرز واجهاتها الثقافية على الصعيدين الوطني والدولي.
ويؤاخذ هؤلاء على المسؤولين عدم تقديم أي مشروع بديل يعوض هذا الموعد الثقافي الكبير، وهو ما عكس، بحسبهم، غياب رؤية حقيقية تجعل الثقافة جزءا من التنمية المحلية، وليس مجرد أنشطة موسمية مرتبطة بالمناسبات.
ويستحضر متابعون تجربة انطلاق نظام وحدة المدينة سنة 2003، حين كان أول رئيس لمجلس المدينة، محمد ساجد، يواكب الإصلاحات المؤسساتية بمبادرات فكرية، من أبرزها ملتقى “خميس الحكامة”، الذي جمع مسؤولين وخبراء وأكاديميين لمناقشة قضايا تدبير المدن، وأسهم في إنتاج أفكار ومقترحات استفادت منها المدينة خلال تلك المرحلة.
ثورة عمرانية لم تواكبها نهضة ثقافية
وفي الوقت الذي تشهد فيه الدار البيضاء، منذ إطلاق البرنامج التنموي سنة 2014، تحولا كبيرا في البنية التحتية، من خلال إنجاز شبكات النقل، والقناطر، والمسارح، والحدائق، والمرافق العمومية، وإعادة تأهيل عدد من الأحياء، يرى مهتمون أن القطاع الثقافي لم ينجح في مواكبة هذا التحول.
ويؤكد هؤلاء أن المدينة تحتاج اليوم إلى مشاريع ثقافية كبرى توثق لهذه الأوراش، وتسهم في إبراز التحولات التي تعرفها العاصمة الاقتصادية، سواء عبر إنتاج أفلام وثائقية، أو تنظيم ندوات وملتقيات دولية، أو إطلاق برامج للتعريف بتاريخ المدينة ومستقبلها.
كما يدعون إلى بلورة مهرجان دولي يحمل هوية الدار البيضاء ويعكس مكانتها الاقتصادية والثقافية، بدل الاستمرار في تنظيم تظاهرات متشابهة تفتقر إلى التميز والقدرة على التسويق لصورة المدينة.
ويخلص متابعون إلى أن الدار البيضاء، بما تمثله من ثقل اقتصادي وديموغرافي، تحتاج إلى سياسة ثقافية تنظر إلى الثقافة باعتبارها رافعة للتنمية ووسيلة لتعزيز جاذبية المدينة، وليس مجرد بند في الميزانية أو سلسلة من السهرات الموسمية. ويرون أن تحويل العاصمة الاقتصادية إلى مدينة عالمية لا يكتمل بالبنيات التحتية وحدها، بل يتطلب أيضا مشروعا ثقافيا متكاملا يمنحها هوية تليق بمكانتها داخل المغرب وعلى المستوى الدولي.






















