
تلقت قيادة البوليساريو الانفصالية صفعة أمنية جديدة داخل مخيمات تندوف، بعدما تمكنت مجموعة من العناصر المسلحة والملثمة من اقتحام مركز عسكري والاستيلاء عليه، في واقعة تكشف، مرة أخرى، أن الخطر الذي يهدد التنظيم الانفصالي لم يعد يأتي فقط من خارج صفوفه، بل بات يتسلل إلى قلب بنيته العسكرية والقيادية.
واقتحمت المجموعة، ليلة الجمعة الماضية، المركز بعد تحييد حراسه وتقييدهم، قبل أن تستولي على مبلغ مالي مهم بالعملة الجزائرية وعتاد عسكري متنوع، ثم تغادر المكان.
وبينما سارعت روايات انفصالية إلى إلصاق العملية بما وصفته بـ”عصابة المخدرات”، أكد معارضون جزائريون فرضية أكثر خطورة، تتمثل في احتمال ارتباط العملية بالصراع المحتدم بين أجنحة القيادة الانفصالية.
ولا تكمن خطورة الحادث فقط في الاستيلاء على أموال وعتاد، وإنما في أن مركزا عسكريا قياديا، يفترض أن يكون من أكثر المواقع تحصينا وتأمينا، أصبح هدفا سهلا لمجموعة مسلحة، بما يفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول مدى تماسك المنظومة الأمنية للبوليساريو وقدرتها الفعلية على ضبط السلاح المنتشر داخل المخيمات.
ليلة الانفجار.. اجتماع فاشل واقتحام مسلح
وتزامنت العملية مع اجتماع عاصف لقيادة البوليساريو، فشل خلاله زعيم الجبهة المدعو إبراهيم غالي في انتزاع توافق حول تشكيلة اللجنة التحضيرية التي يفترض أن تقود المرحلة المقبلة إلى حين انعقاد المؤتمر العام للجبهة، الذي تأجل للمرة الرابعة على التوالي.
وكشفت أجواء الاجتماع عن حجم غير مسبوق من الاحتقان داخل القيادة، بعدما تحولت المناقشات إلى تبادل للاتهامات بالخيانة والفساد، في مؤشر جديد على انهيار الثقة بين مكونات القيادة الانفصالية.
وتزامن هذا الانسداد السياسي مع اقتحام مركز عسكري، ليبدو المشهد وكأن الأزمة خرجت من قاعات الاجتماعات إلى الميدان، ومن خلافات حول المناصب والتمثيلية إلى استخدام السلاح والضغط بالقوة.
وتطرح هذه المصادفة الزمنية علامات استفهام كبيرة حول طبيعة الجهة التي تقف خلف العملية، خصوصا أن الحادث ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن تعرض مركز عسكري انفصالي لواقعة مماثلة خلال أقل من سنتين.
سلاح الانفصاليين يتحول إلى أداة للصراع الداخلي
تكشف تكرار عمليات استهداف المواقع العسكرية عن تحول خطير في طبيعة الصراع داخل البوليساريو، إذ لم تعد الخلافات مقتصرة على البيانات والمواقف والاجتماعات المغلقة، وإنما بدأت تلامس البنية المسلحة للتنظيم.
وتتهم جهات صحراوية أجنحة معارضة لزعيم الجبهة باللجوء إلى عناصر مسلحة موالية لها لاستهداف مقرات تابعة للبوليساريو، بهدف إحراج القيادة وإظهار عجزها عن حماية مواقعها العسكرية، في سيناريو يكشف اتساع دائرة تصفية الحسابات الداخلية.
ويضع هذا التطور قيادة غالي أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فكلما عجزت القيادة عن احتواء خلافاتها السياسية، ارتفعت احتمالات انتقال الصراع إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصا داخل تنظيم يمتلك السلاح ويعتمد منذ عقود على بنية عسكرية مغلقة.
وتزداد الصورة قتامة عندما يتعلق الأمر بمركز عسكري قيادي، لأن اختراق هذا النوع من المواقع لا يعني فقط فشل الحراسة، بل قد يعكس وجود معرفة دقيقة بمواقع التخزين والتحركات ونقاط الضعف، وهو ما يرفع منسوب الشكوك حول طبيعة الجهات المستفيدة من العملية.
غالي أمام قيادة تتآكل من الداخل
يجد زعيم البوليساريو نفسه أمام أزمة قيادة تتسع رقعتها من يوم إلى آخر، فبعد تأجيل المؤتمر العام للمرة الرابعة، برز عجز القيادة عن الاتفاق حتى على اللجنة التي يفترض أن تشرف على الإعداد لهذه المحطة، في وقت تتزايد فيه الاتهامات المتبادلة بين أجنحتها.
وتعمق هذه الخلافات عزلة القيادة الانفصالية، خصوصا مع استمرار سقوط عناصر وقيادات عسكرية تابعة للبوليساريو في المناطق المحظورة جنوب وشرق الحائط الدفاعي المغربي، وسط خسائر بشرية تضعف قدرتها على تقديم صورة تنظيم متماسك وقادر على التحكم في عناصره.
وتضيف الاحتجاجات المتواصلة داخل مخيمات تندوف بعدا آخر إلى الأزمة، بعدما بدأت أصوات غاضبة تنتقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وطريقة تدبير القيادة لشؤون السكان، وتشكك في جدوى استمرار الوضع القائم تحت شعارات الانفصال.
وتكشف هذه التطورات مجتمعة أن الأزمة التي تواجه البوليساريو لم تعد مجرد خلاف على المواقع داخل القيادة، وإنما أصبحت أزمة بنيوية تمس السياسة والسلاح والمجتمع في آن واحد.
وتبدو الجزائر، في ظل هذه التطورات، أمام عبء متزايد مرتبط باستمرار احتضان المخيمات وإدارة تداعياتها الأمنية والسياسية، في وقت تتداول فيه تقديرات بشأن بحثها عن مخارج تخفف كلفة هذا الملف، بما في ذلك الدفع نحو ترتيبات جديدة لمستقبل المخيمات وساكنتها خارج الأراضي الجزائرية.
وتضع واقعة الاقتحام قيادة البوليساريو أمام مرآة لا يمكنها تجاهلها: الخلافات التي كانت تدور خلف الأبواب المغلقة بدأت تجد طريقها إلى السلاح، والمؤتمر المؤجل للمرة الرابعة يعكس أزمة سياسية، وسقوط العناصر والقيادات العسكرية يعكس أزمة ميدانية، وتصاعد الاحتجاجات يعكس أزمة اجتماعية، أما اختراق مركز عسكري قيادي فيكشف أن أزمة التنظيم باتت تمس حتى قدرته على حماية نفسه من الداخل.





















