مجتمع

تعثر تعميم تدريس الأمازيغية في المدارس المغربية

مجتمع

 

سلطت دراسة أكاديمية حديثة الضوء على واقع تدريس الأمازيغية في المغرب، معتبرة أن تعميم هذه المادة داخل المدارس الابتدائية ما يزال يواجه تحديات مؤسساتية وإدارية، رغم مرور أكثر من عقدين على إدراجها في المنظومة التعليمية، واعتمادها لغة رسمية بموجب دستور 2011.

وأفادت الدراسة، التي حملت عنوان “تدريس اللغة الأمازيغية في المغرب”، وأعدها الباحث ياسين بوساكوي، من جامعة ابن زهر بأكادير، ونشرتها مجلة “Tamazgha Studies Journal” العلمية في عددها الصيفي لسنة 2026، بأن نسبة المؤسسات الابتدائية التي تدرس الأمازيغية لم تتجاوز 31 في المائة إلى حدود يناير 2024، وهو ما يعكس، بحسب الباحث، اتساع الفجوة بين الالتزامات الرسمية وواقع التنفيذ.

الدراسة تحمل المسؤولية للاختلالات المؤسساتية

ورفض الباحث تفسير تعثر تعميم تدريس الأمازيغية بعوامل ترتبط فقط بنقص تكوين الأساتذة أو ضعف إقبال التلاميذ أو محدودية المناهج البيداغوجية، معتبرا أن الأسباب الرئيسية تعود إلى ما وصفه بـ”التردد السياسي” و”العراقيل البيروقراطية”، إلى جانب استمرار مظاهر الوصم التي تعيق ترسيخ الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية.
وأشار إلى أن الأمازيغية أدرجت مادة إلزامية في التعليم الابتدائي سنة 2003، بعد الخطاب الملكي بأجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، قبل أن تكرس لغة رسمية في دستور 2011، على أساس أن يستفيد منها جميع التلاميذ، سواء كانوا ناطقين بها أو بغيرها، دون أن تعتمد لغة للتدريس في باقي المواد.

أهداف التعميم لم تتحقق

وأبرزت الدراسة أن البرنامج الأولي كان يهدف إلى توحيد مختلف المتغيرات اللغوية الأمازيغية، ثم تعميم تدريسها تدريجيا في جميع المؤسسات التعليمية والمستويات الدراسية، غير أن هذه الأهداف ظلت، وفق الباحث، بعيدة عن التحقق.
وأوضحت أن الأمازيغية كانت تدرس، خلال الموسم الدراسي 2009-2010، في 5431 مدرسة ابتدائية فقط، أي ما يعادل 26 في المائة من مجموع المؤسسات، مع تسجيل تفاوتات كبيرة بين الجهات، إذ بلغت نسبة التغطية 67 في المائة بجهة مكناس و56 في المائة بجهة سوس ماسة، مقابل نسب متدنية لم تتجاوز 1 في المائة بطنجة و2 في المائة بدكالة و3 في المائة بكل من الغرب والشاوية.
وأضافت الدراسة أن الاستمرارية في تدريس الأمازيغية بين المستويات الدراسية بقيت ضعيفة، إذ انتقل عدد التلاميذ المستفيدين من 186 ألفا و983 تلميذا بالسنة الأولى ابتدائي خلال موسم 2008-2009 إلى نحو 15 ألف تلميذ فقط في السنة السادسة، فيما لم يستفد خلال الموسم الموالي سوى 527 ألفا من أصل أكثر من 3.5 ملايين تلميذ بالتعليم الابتدائي، أي بنسبة تقل عن 15 في المائة.

إعادة تكليف الأساتذة تفاقم الأزمة

وكشفت الدراسة أن نحو ستة آلاف أستاذ، من أصل 11 ألفا تلقوا تكوينا لتدريس الأمازيغية، جرى تكليفهم لاحقا بتدريس مواد أخرى، وهو ما اعتبره الباحث أحد أبرز أسباب تعثر تعميم المادة.
وأشارت إلى أن عدد المفتشين والأطر المتخصصة في تدريس الأمازيغية لم يكن يتجاوز 16 إطارا على المستوى الوطني، بينما تراجع عدد المكونين بالمراكز الجهوية من 60 سنة 2009 إلى 17 فقط سنة 2015، فضلا عن إلغاء أقسام وإعادة توزيع أساتذة لتدريس العربية أو الفرنسية في عدد من الأقاليم.
كما سجلت الدراسة أن المنصة الإلكترونية الخاصة بانتقالات الأساتذة لم تكن تعترف بالأمازيغية كتخصص مستقل، ما كان يجبر الأساتذة على التسجيل ضمن تخصصي اللغة العربية أو الفرنسية، الأمر الذي يؤدي، بعد انتقالهم، إلى تكليفهم بتدريس هاتين المادتين بدل الأمازيغية.

الاعتراف الدستوري لم يحقق الإدماج الكامل

ورأت الدراسة أن الاعتراف الرسمي بالأمازيغية لم ينعكس، بالقدر الكافي، على حضورها داخل المنظومة التعليمية، معتبرة أن منحها صفة اللغة الرسمية لا يضمن، بمفرده، إدماجها الكامل في مختلف مجالات الحياة العامة.
وأضافت أن الوثائق المنظمة لمنظومة التربية والتكوين ما تزال تمنح الأولوية للعربية باعتبارها لغة التدريس الأساسية، مع توسيع حضور الفرنسية والإنجليزية في المواد العلمية، بينما تظل الأمازيغية لغة تدرس كمادة مستقلة، دون أن تصبح لغة للتدريس، مع استمرار الحديث عن “التعميم التدريجي” دون تحديد آجال تنفيذية دقيقة.
كما انتقد الباحث مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، معتبرا أن طريقة تعريف اللغة الأمازيغية وآليات إدماجها داخل المؤسسات لا تزال تثير عددا من الإشكالات المرتبطة بتوحيدها وتطوير استعمالها.

دعوات لتسريع وتيرة التعميم

وحذرت الدراسة من أن استمرار تعثر تعميم تدريس الأمازيغية قد يؤدي إلى تراجع عدد القادرين على القراءة والكتابة بالأمازيغية المعيارية بحرف تيفيناغ، بما قد ينعكس على مستقبل الإنتاج الثقافي واللغوي بهذه اللغة.
وأشارت إلى أن الحكومة أعلنت، في يناير 2026، تخصيص ألف منصب لتوظيف أساتذة متخصصين في تدريس الأمازيغية، مقابل نحو 200 منصب فقط سنة 2020، غير أن الدراسة أكدت أن الوقت ما يزال مبكرا لتقييم أثر هذه الخطوة على تسريع تعميم تدريس الأمازيغية داخل المؤسسات التعليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL