تأملات

تهديب النفس

عبد الرحمان سورسي‎

الحمد لله الذي وعد المومنين والمومنات مساكن طيبة في جنات عدن.
والصلاة والسلام على النبي الحبيب المصطفى العدنان سيدنا محمد وعلى آله وصحبه  أجمعين.
أمابعد:

إخواني الفضلاء أخواتي الفضليات:
لقد شاءت إرادته الله تعالى أن أختار لمجلسي هاذا موضوعا هاما بعنوان:

(المومن يهذب نفسه ولا يترك لها العنان .
والفاجر يمضي قديما كما فعل قاتل عدنان .
معاشر السادة والسيدات:
لقد أمرنا الله تبارك وتعالى بأن نهذب أنفسنا ونزكيها ونطهرها من المعايب فقال جل وعلا في كتابه الكريم : ( قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ) سورة الشمس آيه :” 9:10 ” فالفلاح في تزكية النفس والخسران في إهمالها وتركها بدون تزكية وتهذيب فيُترك لها العنان في أن تقترف من الذنوب ما تشاء وتُحصل من المباحات ما تهوى دون محاسبة ومعاتبة، وانظر إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم حين يقول ” الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ” ، ولهذا نبه الكثير من الصالحين على ضرورة محاسبة النفس فقال ميمون بن مهران ” إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص ومن شريك شحيح ” ، وقال أيضا : ” لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه . ولهذا قيل : النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك “، وقال الحسن البصري : ” إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته ، يستقصرها فيندم ويلوم نفسه ، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه “.

إن المسلم يحتاج في حياته إلى تهذيب النفس حتى تستقيم له فتكون نفساً مطمأنة طيبة تدعوه إلى الخير وتحببه فيه وتنهاه عن المنكر وتنفره منه وهذا التهذيب لن يكون إلا إذا عاد المرء إلى نفسه فعلمها و أدبها وذكرها بتقصيرها في حق ربها ثم جعل لها القرآن قائدا والرسول أسوةً وانظر إلى حال مالك بن دينار حينما يدعو إلى العبد الذي يرجع إلى نفسه فيهذبها ويذكرها بتقصيرها فيقول: “رحم الله عبداً قال لنفسه : ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمها ، ثم خطمها ، ثم ألزمها كتاب الله عزوجل فكان لها قائدا.
أيها الإخوة والأخوات:
إذا لم نستطع تهذيب أنفسنا دفعة واحدة فيمكن أن نقوم بذلك بشكل تدريجي، بأن نقوم بترك ذنب أو مجموعة ذنوب وبذلك نكون قد بدّلنا نقطة سوداء في قلوبنا إلى نقطة بيضاء، ومن ثم نقوم بترك ذنب آخر وهكذا إلى أن نكون بعد فترة قد ابتعدنا تماماً عن الذنوب وأخرجنا الصفات السيئة من أنفسنا، وسددنا ضربة موجعة للشيطان تضعفه عن محاولة إضلالنا وإسقاطنا في وادي الهلاك . وإليكم القصة الأولىفي هاذا الباب.

الفقير وصاحب العمل

هذا رجل فقير يرعى أمه وزوجته وذريته ، وكان يعمل خادماً لدى أحدهم ، مخلصاً في عمله ويؤديه على أكمل وجه ، إلا أنه ذات يوم تغيب عن العمل ..
فقال سيده في نفسه :
لابد أن أعطيه ديناراً زيادة حتى لا يتغيب عن العمل
فبالتأكيد لم يغيب إلا طمعاً في زيادة راتبه لانه يعلم بحاجتى إليه
وبالفعل حين حضر ثاني يوم أعطاه راتبه و زاد عليه الدينار .. لم يتكلم العامل ولم يسأل سيده عن سبب الزيادة .
وبعد فترة غاب العامل مرة أخرى ، فغضب سيده غضباً شديداً وقال :
سأنقص الدينار الذي زدته.
وأنقصه ..
ولم يتكلم العامل ولم يسأله عن نقصان راتبه..
فإستغرب الرجل مِنْ ردة فعل الخادم ، وسأله :

زدتك فلم تسأل ، وأنقصتك فلم تتكلم !
فقال العامل :
عندما غبت المرة الأولى رزقني الله مولوداً ..
فحين كافأتني بالزيادة ، قلت هذا رزق مولودي قد جاء معه .
وحين غبت المرة الثانية ماتت أمي ، وعندما أنقصت الدينار ، قلت هذا رزقها قد ذهب بذهابها.

ما أجملها مِنْ أرواح تقنع وترضى بما وهبها إياه الرحمن ، وتترفع عن نسب ما يأتيها مِنْ زيادة في الرزق أو نقصان إلى الإنسان.

القصة الثانية:
في حجرة صغيرة فوق سطح أحد المنازل , عاشت الأرملة الفقيرة مع طفلها الصغير حياة متواضعة في ظروف صعبة..

إلا أن هذه الأسرة الصغيرة كانت تتميز بنعمة الرضا و تملك القناعة التي هي كنز لا يفنى … لكن أكثر ما كان يزعج الأم هو سقوط الأمطار في فصل الشتاء.
فالغرفة عبارة عن أربعة جدران , و بها باب خشبي , غير أنه ليس لها سقف!.

و كان قد مر على الطفل أربعة سنوات منذ ولادته لم تتعرض المدينة خلالها إلا لزخات قليلة و ضعيفة , إلا أنه ذات يوم تجمعت الغيوم و امتلأت سماء المدينة بالسحب الداكنة

ومع ساعات الليل الأولى هطل المطر بغزارة على المدينة كلها , فاحتمى الجميع في منازلهم , أما الأرملة و الطفل فكان عليهم مواجهة موقف عصيب ! ! . .

نظر الطفل إلى أمه نظرة حائرة و اندسّ في أحضانها , لكن جسد الأم مع ثيابها
كان غارقًا في البلل . . . أسرعت الأم إلى باب الغرفة فخلعته و وضعته
مائلاً على أحد الجدران , و خبأت طفلها خلف الباب لتحجب عنه سيل المطر المنهمر . . …

فنظر الطفل إلى أمه في سعادة بريئة و قد علت على وجهه ابتسامة الرضا, وقال لأمه : ” ماذا يا ترى يفعل الناس الفقراء الذين ليس عندهم باب حين يسقط عليهم المطر ؟ ! ! ”

لقد أحس الصغير في هذه اللحظة أنه ينتمي إلى طبقة الأثرياء ..
ففي بيتهم باب !!!!

ما أجمل الرضا . . . إنه مصدر السعادة و هدوء البال وراحة القلب

اللهم ارزقنا الرضا وارض عنّا يا الله.
وامتنا باسماعنا وابصارنا وعقولنا مع
السلامة والعافية في ديننا ودنيانا
وارحم اللهم عدنان ذالك الطفل البريء (إنا لله وإنا إليه راجعون)
اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا وشفيعًا مجابًا،  وألحقه ياربنا بصالح سلف المؤمنين. اللهم  اجعله في كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقه برحمتك عذاب الجحيم.
آمين يارب العالمين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
إنا لله وإنا إليه راجعون .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى