ثقافة

أية هوية لحاضرة المحيط، أسفي؟

إعداد : د. منير البصكري الفيلالي / أسفي

من اللافت للنظر ، أننا أحيانا ـ ونحن نبحث في موضوع فهم هوية المدينة ـ أننا أمام معطى تتنوع أبعاده، فتصيبك الدهشة، فهل هويتها تجارية أو اقتصادية أو اجتماعيىة أو صناعية أو علمية أو روحية؟. فإشكالية الهوية إذن ظاهرة مرتبطة بالكيان الاجتماعي والحضاري والفكري والثقافي.
فما معنى الهوية، وما هي أبعادها، وكيف لمدينة ما أن تكشف بقوة عن هويتها الحقيقية؟
من الصعوبة تحديد مفهوم الهوية، وحسبنا أن نعرفها أولا من الناحية اللغوية. فحسب المعجم الوجيز، تعني الذات، والدلالة الذاتية للهوية تعني الإحساس بالانتماء إلى منظومة راسخة تعطي الفرد خصائص منفردة. واصطلاحا، هي إحساس الجماعة بالأصل المشترك، وهي التعبيرات الخارجية الشائعة، مثل الرموز والألحان والعادات، وتميز أصحاب هوية ما عن سائر الهويات الأخرى، وتظل هويتهم محتفظة بوجودها وحيويتها، مثل الأساطير والقيم والتراث الثقافي، على حد تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر. فللهوية إذن أهمية كبيرة في تشكيل الشخصية الفردية والمجتمعية .. ترتبط بالعامل السيكولوجي، إضافة إلى البعد السوسيولوجي. وبذلك، يكون مفهوم الهوية على جانب كبير من الخطورة التي تستوجب الانتباه ليستغل كسلاح في مواجهة الأخطار التي تهدد الأمة، وتدافع عن كيانها من الانحلال والتفكك. فلا يمكن أن نتحدث عن هوية مدينة ما، ما لم تكن تتميز بنكهة خاصة تعكس في تصميمها وتراثها وتاريخها وأصالتها وكفاح أهلهــا امتدادها التاريخي الذي يمنحها حلاوة الوجود على مر المراحل والعصور. فالمدينة ليست شوارع وإشارات مرور ومباني شاهقة أو دور سكنية وحدائق ومقاهي ومطاعم ومدارس ومستشفيات ومكتبات ومقابر ومحطات الطاقة ومصانع ومعامل .. بل فضاء إنساني رحب؛ فيه من التنوع والقوة على أُسس من العلم والثروة الخلقية وفرص المنافسة العادلة للإنسان كإنسان يعتمد الضبط والقرار الذاتي تحت حماية القانون بطبيعة الحال.
ومدينة أسفي واحدة من المدن المغربية ذات العراقة والأصالة، يشهد على ذلك تاريخها الأثيل .. تحيط بها الأسوار وتحميها الأبواب والأبراج .. وداخل تلك الأسوار، توجد مجموعة من الزوايا تشكل مؤسسات دينية تمارس فيها العبادات من صلاة وتلاوة القرآن والأذكار، ومن اعتكاف ومدارسة للعلوم . فهناك ترابط حقيقي بين الزاوية ووظيفتها الدينية والعلمية .. تنطلق من تربية روحية ومعرفية في آن واحد. والهدف هو تقوية إيمان الفرد بالله تعالى. ومن ثمة، لم تفصل الزاوية بين رسالتها الدينية ووظيفتها العلمية. وبالتالي، ليس هناك أي فصل بين ما هو إيماني وعلمي وعملي. فهي إذن تقوم بوظائف متعددة في المجتمع، وهي وظائف لا تقتصر فقط على إشباع الجانب الروحي، بل تعدته إلى المجال الاجتماعي بمختلف أنواعه ومظاهره. وزوايا مدينة أسفي لم تشذ عن هذا المعطى .. فقد كانت دائما أحد أهم مكونات تشكيل هوية الشخص. فالإنسان ككائن اجتماعي، لا يمكننا أن ننظر إليه أو نخضعه للدراسة والبحث بمعزل عن محيطه وبيئته.
لقد كانت هذه الزوايا المبثوتة عبر أهم دروب وأزقة المدينة العتيقة بأسفي ، تهتم بالجانب الروحي والخلقي المتمثل في تزكية النفس،مع عدم  إهمال الجانب العلمي من العبادات البدنية والمالية وشؤون الحياة .. لأن الهدف، هو بناء شخصية الإنسان المسلم، وتأسيس المجتمع على أساس من الفضيلة والخلق السليم، والتمسك بمبادئ الدين القويمة وتعاليمه السامية ، وأن تحل الأخلاق الفاضلة بين أفراده، ويكون للمسلم وازع من ضميره يدفعه إلى الحرص على الكمال وطلبه.
إن الأمة التي تريد أن تهيئ لنفسها مستقبلا سعيدا ليس في طوقها أن تحقق ذالك إلا إذا وصلت بين ماضيها وحاضرها، فانتفعت بما خلفه أسلافها من عقيدة راسخة وإيمان عميق ومبادئ سامية ومثل كريمة وقيم أخلاقية، تركت أثرها الواضح في حياة الناس وأحاسيسهم وتجاوبت مع آمالهم وأهدافهم. ومما لاشك فيه أن التسلح بالقيم الروحية يولد طاقة دافعة للتقدم ورغبة صادقة في الإصلاح وعزيمة قوية لا تعرف الكلل ولا يحطمها اليأس ولا يعتريها الملل.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن ينكر الدور الذي قامت به الزوايا على المستوى الاجتماعي عبر تاريخ المغرب إلا معاند أو جاحد. فقد كانت تقوم بعدة مهام لها قيمتها ووزنها في المجتمع المغربي. فالزوايا كانت مأوى لكل ذي حاجة، والزوايا كانت معاهد لإعادة التنشئة الاجتماعية والإنقاذ من الانحراف. والزوايا كانت مأوى لتربية اليتامى ومن فقدوا من يعتمدون عليه في إعالتهم، والزوايا كانت ملجأ الضعفاء والمحتاجين يجدون فيها ما يسد رمقهم وما يلبي حاجتهم، والزوايا شكلت أماكن لقاء فئات المجتمع بمختلف أصنافهم في إطار الأخوة الإسلامية . هذه هي الأدوار الحقيقية التي كانت منوطة بالزوايا. لهذا، لا بد من إعادة الاعتبار لزوايانا ، خاصة وأنها تملك رصيداً روحياً وأخلاقيا وتربوياً زاخراً بالكثير من القيم والمبادئ، وتستطيع أن تؤثر في النفوس والأرواح بما تتوفر عليه من رقائق وأذواق وأشواق، وإن إسهامها في التوعية له مفعول قوي ومباشر..
ولعل الزائر اليوم لهذه الزوايا بالمدينة العتيقة بأسفي، سيقف ـ لا محالة ـ على الوضع الكارثي الذي آلت إليه معظمها، حيث الخراب والدمار وعدم الاعتبار.
لذلك، أصبح لا بد من التركيز على ترسيخ القيم الروحية ونشر الثقافة الإسلامية في مواجهة الفوضى والانحراف. فنتيجة للعولمة الثقافية الإعلامية، تعرضت جوانب كثيرة من الثقافة السائدة في بلداننا لتشوهات واختلاط المفاهيم كالعادات المستحدثة والسلوكيات السائدة في أوساط الشباب، فقسم كبير منها هو تقليد للغربيين في عاداتهم وسلوكهم بدعوى التنوير والانفتاح. وبذلك انتشرت ألوان من الجرائم لم تعرف من قبل.
حري بنا إذن إعادة الاعتبار لهذه الزوايا وإنقاذها من الهدم وإدخالها في إطار القانون المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري ( أنظر الظهير الشريف رقم 48. 16 . 1 الصادر في 19 رجب 1437 ( 27 أبريل 2016 ) بتنفيذ القانون رقم 12 .94). كل هذا من أجل استعادة الزمن الجميل وإعادة صياغة المعنى الحقيقي لهوية المدينة وتقديمها إلى أجيال لم تعشها ولا تحمل بالنسبة لها تلك المعاني الجميلة التي عرفتها مدننا في الزمن الماضي أية قيمة .
ولنا في الرؤية الملكية تكريس للأسس المذهبية للمغرب مع ترسيخ الهوية الأصيلة المتسمة بالتوازن والتسامح والاعتدال =. فالأمر إذن يتعلق برؤية عبقرية جاءت لتضع تدبيرا حديثا للشأن الديني في المغرب من خلال تأهيل المؤسسات الدينية وضمنها الزوايا=.
ففي خضم إصلاح الحقل الديني، تمت مراجعة التشريع المنظم لأماكن العبادة وملاءمتها مع المتطلبات المعمارية وفقا لإرادة جلالة الملك ، مع الحرص على ضبط مصادر تمويلها وشفافيتها وشرعيتها واستمراريتها في القيام بدورها الإشعاعي والتربوي=. وفي هذا السياق ندعو المسؤولين والفاعلين في مجال الحفاظ على تراث المدينة إيلاء الاهتمام المطلوب لزوايا المدينة العتيقة بأسفي .. فهوية المدينة لا تخلق من فراغ=، بل هي مرآة تعكس صورة الإنسان وماضيه وآثار مخلفاته وقيمة مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية.
جميل أن يهتم هؤلاء وأولئك برسم تصورات على المجال الترابي للمدينة ، فنرى رياح التحديث والتنمية تهب عليها. لكن، لا يجب أن يكون ذلك على حساب المعالم التاريخية والحضارية والتراثية والروحية التي عرفتها المدينة طيلة قرون من الزمن.
فجاذبية المدينة تستند بالأساس على طابعها التاريخي والتقليدي والمعماري والتراثي والفكري والروحي والحضاري. ومع ذلك كله، تبقى أسفي مدينة وهوية في الآن ذاته.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض