فن الملحون

مغربية الصحراء من خلال الشعر الملحون – الحلقة الأولى

إعداد : الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

لعل انهماك الشاعر في قضايا عصره ووطنه ، وإدراكه لمشكلات الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه ، لا يناقض بتاتا طبيعة الشعر في شيء .. وشاعر الملحون كغيره من الشعراء ، تميز بحس مرهف ، وإدراك سليم لما يدور حوله ، ودقة في ملاحظة ما يجري في مجتمعه ، وحصيلة وافرة من الثقافة والخبرة . وهي مميزات تكاد تنسحب على كل شاعر وفنان .. وإذا ما تحققت فعلا ، فإنها حرية أن تشده إلى تلك القضايا والمشكلات التي يعيشها . ولعل مشكلاته الخاصة لا تنفصل عن مشكلات وقضايا وطنه . ومعلوم أن كثيرا من الأشعار قد ارتبطت عبر العصور وفي مختلف البيئات بقدر هائل من القضايا والمشكلات .. فكل مجتمع كان وما يزال ، له قضاياه المحلية الخاصة .. ومن هنا يتضح مدى التزام الشاعر بالتعبير عن هذه القضايا ، والتزامه يتضح في مدى انهماكه وفهمه لها ، واتخاذ موقف منها . لذلك ، فالتزام الشاعر بموقف ما ، أمر طبيعي وضروري حتى يكون لشعره وزن وقيمة وفعالية .

ويبدو بديهيا أن يكون موقف الشعر الملحون ، هو نفس الموقف العام . وإذا كان الهدف البعيد للشاعر هو تحقيق الانسجام بينه وبين مجتمعه ، فانه إنما يعبر بذلك عن الهدف الذي تسعى الجماعة نفسها إلى تحقيقه . لهذا ،” كانت الأحداث الحربية السياسية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية تبعث الشاعر الشعبي على الأمل ومحاولة البحث عن الأسباب والمسببات واستخراج العظة والعبرة ، يغلب فيها عليه أن يعتبرها قضاء وقدرا من الله ، وأن يقف منها موقف الضعيف العاجز، متألما باكيا رافعا أكف الضراعة الى الله أن يفرج الكرب ويجود بالعفو .. ” وحتى لا ننسى ، فقد سجل التاريخ بفخر واعتزاز كبيرين كفاح الشعب المغربي بكل فئاته إلى جانب ملوكه ، من أجل وحدة التراب الوطني من الشمال إلى الجنوب .. وهو أمر أكدته غير قليل من الوثائق التاريخية والمستندات الوطنية والأجنبية .
وخير دليل على ذلك ، هذه الوثيقة التي بين أيدينا وهي تؤكد على مغربية الصحراء والتي تفيد بأن ساكنة تندوف لا ترغب في المشاركة في تقرير حق مصير الشعب الجزائري من الاستقلال عن فرنسا ، بداعي أنهم ليسوا جزائريين بل مغاربة .

ولا يخفى على أحد ، أن المغرب كان دائما مستهدفا ،نظرا لموقعه من جهة ، ولما حباه الله من نعم وخيرات من جهة ثانية . فليس من الغريب إذن أن تتطلع إليه أطماع الغير . لكن بهمة ملوكه وقوة شكيمة شعبه ، ظل المغرب صامدا أمام كل الأطماع والإكراهات والتحديات . ولعل التاريخ خير منصف للمغرب رغم أطماع الطامعين وحقد الحاقدين . وليعلم هؤلاء وغيرهم أن الصحراء كانت دائما مغربية .. لولا ما أصابها من أطماع أجنبية ، حيث تزايد الاهتمام بالسواحل الجنوبية للمغرب ، وذلك انطلاقا من اتفاقية
” الكوسباس ” بين البرتغال وإسبانيا ، ثم معاهدة ” سانترا ” التي وقعت بين الطرفين المذكورين سنة 1494 .. وعلى هؤلاء وأولئك أن يعلموا بمختلف الزيارات التي كانت لملوك المغرب نحو الصحراء لتفقد رعاياهم هناك . ونشير في هذا الصدد إلى زيارة السلطان السعدي سنة 1543 حيث قام بتعيين ابن عزوز واليا عليها ، كما عين السلطان أحمد المنصور الذهبي ابنه أبا فارس خليفة له على الصحراء عام 1580 .. ويذكر التاريخ أن السلطان العلوي مولاي إسماعيل قد وصل إلى تخوم السينغال ، وصاهر أهل شنقيط ، حيث عقد على السيدة خناثة ابنة الشيخ بكار المغافري ، وهي أسرة معروفة بالصلاح والاستقامة وحين زيارته للصحراء عام 1678 اجتمع برؤساء القبائل الصحراوية وعين منهم الولاة والقياد ، كما نصب ابنه عبد المالك خليفة على ما وراء درعة .. دون أن ننسى كذلك زيارة المولى عبد الله سنة 1730 وزيارة ابنه سيدي محمد بن عبد الله عام 1755 . وفي عهد المولى عبد الرحمن ، وقعت معاهدة تسمح لإسبانيا بالصيد على طول الساحل الصحراوي وذلك سنة 1779 ، وهي المعاهدة التي حفزت الأسبان على احتلال الصحراء المغربية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى