
في خضم التحولات الرقمية المتسارعة، عادت قضية التلاعب بالمؤشرات الرقمية إلى الواجهة في الجزائر، بعد تحذير رسمي من انتشار ظاهرة شراء المتابعين الوهميين وتضخيم نسب المشاهدة، التي لم تعد مجرد سلوك هامشي، بل باتت تشكل تهديدا لشفافية السوق الإعلامي والإشهاري، في سياق إقليمي يتسم بتصاعد الأخبار المضللة، خاصة تلك التي تستهدف دولا مثل المغرب.
شراء المتابعين الوهميين
في تقرير اعتبره ملاحظون “خروجا” عن السياسة الإعلامية الجزائرية، حذرت السلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري من تنامي لجوء بعض القنوات والمنصات الرقمية إلى شراء المتابعين الوهميين واستعمال ما يعرف بـ”مزارع النقرات”، بهدف تضخيم نسب التفاعل والمشاهدة بشكل مصطنع.
وقال التقرير إن تلك الممارسات تخلق صورة زائفة عن حجم الجمهور، حيث تظهر بعض القنوات أو البرامج وكأنها تحقق نسب متابعة قياسية، بينما تعكس الأرقام في الواقع نشاطا غير حقيقي تقوده حسابات وهمية أو آلية.
ويبرز هذا السلوك بشكل لافت خلال فترات الذروة الإشهارية، حين تتحول المنافسة إلى سباق محموم نحو تصدر قوائم “الأكثر مشاهدة”، حتى وإن كانت هذه التصنيفات مبنية على بيانات غير دقيقة أو مفبركة بالكامل.
الإشهار التضليلي
لم تتردد الهيئة في تصنيف هذه الممارسات ضمن خانة “الإشهار التضليلي”، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على قرارات المعلنين، فشراء المتابعين الوهميين لا يهدف فقط إلى تحسين الصورة الرقمية، بل يستغل كأداة ضغط تجاري لرفع أسعار الإعلانات وإقناع المعلنين بفعالية وهمية.
وفي ظل هذا الواقع، تجد الشركات نفسها أمام معطيات مضللة تدفعها إلى استثمار ميزانيات كبيرة في قنوات لا تعكس جمهورا حقيقيا، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد المالية وإضعاف الثقة في السوق الإعلامي ككل. كما تساهم هذه الظاهرة في خلق منافسة غير متكافئة، حيث تتفوق “الأرقام المزيفة” على الأداء المهني الحقيقي.
من التلاعب الرقمي إلى صناعة الأخبار المضللة
لا تقف خطورة شراء المتابعين الوهميين عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى تغذية بيئة خصبة لانتشار الأخبار المضللة، فالحسابات الوهمية تستخدم أيضا في الترويج المكثف لمحتويات زائفة، ما يساهم في تضخيم انتشارها والتأثير على الرأي العام.
وفي هذا السياق، تشير تقارير متخصصة إلى أن المغرب يعد من بين الدول الأكثر استهدافا بحملات التضليل الإعلامي الجزائري، حيث احتل مراتب متقدمة ضمن الدول العربية التي تتعرض لأخبار مفبركة، مع تسجيل عشرات المواد المضللة خلال فترات قصيرة. كما رصدت مئات الحالات التي خضعت للتحقق من قبل منصات متخصصة، ما يعكس حجم الظاهرة واتساع نطاقها.
وتتنوع هذه الأخبار بين قضايا سياسية وأمنية ورياضية، وغالبا ما تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مستفيدة من آليات التضخيم الرقمي، وعلى رأسها الحسابات الوهمية والتفاعل المصطنع.
ويعكس هذا التحذير إدراكا متزايدا بأن المعركة لم تعد فقط ضد التلاعب بالأرقام، بل ضد منظومة كاملة تقوم على “اقتصاد الوهم الرقمي”، حيث تتحول الشعبية إلى سلعة قابلة للشراء، ويتداخل التسويق مع التضليل.
وتكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة في الإعلام الرقمي، عنوانها صراع بين المصداقية والتزييف. وبين شراء المتابعين الوهميين وتنامي الأخبار المضللة، يصبح الرهان الأساسي هو بناء منظومة إعلامية شفافة، قادرة على حماية الجمهور والمعلنين من التضليل، واستعادة الثقة في زمن الأرقام المصطنعة.






















