
لم تكن برقية التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى أبيلاردو دي لا إسبريا، الرئيس الكولومبي المنتخب مجرد رسالة بروتوكولية تندرج ضمن الأعراف الدبلوماسية المعتادة، بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية تعكس تحولا متسارعا في طبيعة العلاقات بين الرباط وبوغوتا، في وقت تواصل فيه الجزائر خسارة عدد من مواقف الدعم التقليدية التي كانت تراهن عليها في أمريكا اللاتينية بخصوص قضية الصحراء المغربية.
وأبرز الملك محمد السادس، في رسالته إلى الرئيس الكولومبي الجديد، حرص المملكة على فتح آفاق جديدة للتعاون الثنائي وتعزيز الشراكة بين البلدين في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة ويمنح العلاقات المغربية الكولومبية زخما جديدا خلال المرحلة المقبلة.
كولومبيا تبتعد عن الطرح الجزائري
يأتي هذا التطور في سياق دبلوماسي إقليمي يشهد تحولات متلاحقة في مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية تجاه ملف الصحراء المغربية، حيث بدأت عدة عواصم في مراجعة مقارباتها السابقة والاقتراب أكثر من الرؤية التي يدافع عنها المغرب داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
ويرى متابعون أن كولومبيا، التي كانت تصنف ضمن الدول التي حافظت تاريخيا على مسافة أقرب إلى الطرح الجزائري، أصبحت اليوم تتجه نحو مقاربة أكثر براغماتية وواقعية، تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، فضلا عن الدينامية الدبلوماسية التي يقودها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وتعتبر الرباط أن هذا التحول يعكس نجاحا متواصلا لاستراتيجيتها القائمة على تعزيز الشراكات الثنائية وتوسيع دائرة التعاون الاقتصادي والسياسي مع دول أمريكا اللاتينية، بعيدا عن الاصطفافات الإيديولوجية التي طبعت مراحل سابقة.
خسارة جديدة للجزائر في معركة النفوذ الدبلوماسي
يقرأ مراقبون الرسالة الملكية في سياق أوسع يتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين، ليشمل التنافس الدبلوماسي المتواصل بين المغرب والجزائر حول كسب مواقف الدعم في مختلف القارات، فخلال السنوات الأخيرة، نجح المغرب في تحقيق اختراقات دبلوماسية مهمة داخل أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى، سواء عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية أو من خلال تكثيف الحضور السياسي والدبلوماسي، ما انعكس على مواقف عدد من الدول التي أعادت النظر في مقاربتها للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
وفي المقابل، تواجه الجزائر صعوبات متزايدة في الحفاظ على شبكة الحلفاء التقليديين التي بنتها خلال عقود، خاصة مع تغير الأولويات الاقتصادية والسياسية لدى العديد من دول المنطقة، التي أصبحت تفضل بناء شراكات قائمة على المصالح والاستثمارات والتعاون الاقتصادي المباشر.
شراكة جديدة تعزز الحضور المغربي بأمريكا اللاتينية
يؤكد مراقبون أن التقارب المتزايد بين الرباط وبوغوتا يندرج ضمن رؤية مغربية أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور داخل الفضاء اللاتيني، وتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية وتنموية ملموسة.
وتوفر كولومبيا، باعتبارها واحدة من أبرز الاقتصادات الصاعدة في أمريكا اللاتينية، فرصا مهمة للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والفلاحة والابتكار، وهو ما يجعل تطوير العلاقات معها مكسبا استراتيجيا للمغرب.
ومع توالي التحولات الدبلوماسية في المنطقة، يبدو أن المغرب يواصل توسيع دائرة شركائه الدوليين، بينما تجد الجزائر نفسها أمام واقع جديد يتمثل في تقلص هامش نفوذها التقليدي داخل عدد من الساحات التي كانت تعتبرها لعقود مجالا داعما لمواقفها، الأمر الذي يمنح التقارب المغربي الكولومبي أبعادا سياسية تتجاوز الإطار الثنائي إلى إعادة رسم موازين التأثير داخل أمريكا اللاتينية.





















