ثقافة

صدى رجالات أسفي في التاريخ – الحلقة 37

إعداد: الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة
 في كنف بيت هيماوي كريم وعريق، كان مولد الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة في 13 نونبر 1927 بأسفي. وفي أحضانه نشأ وترعرع ، متابعا تعليمه في شتى مراحله، بدءا من مدارس أسفي إلى الرباط، مرورا بفرنسا ونيويورك ومحطات أخرى أكثر أهمية.. فحين كان طالبا يتابع دراساته العليا بفرنسا، كانت تربطه وشائج وثيقة من المحبة والصداقة الخاصة بالأديب والأكاديمي الفرنسي “فرانسوا مورياك” ( 1889 ـ 1970 ) ولا ننسى أنه كان من الشباب الوطني الذي لعب دورا مهما في الدفاع عن القضية المغربية بفرنسا.
وفي جميع هذه المراحل، كان الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة بحرص ودؤوب، يصرف عنايته ويجد استطاعته، يلتمس الوعر فينقاد له، ويراهن على المنيع البعيد فيمكنه ويواتيه وينتظم له من صعب أمره، فيتسق له سهلا يسيرا ويستقيم. ومن ثمة، وفق في غير قليل من المسؤوليات التي أنيطت به، وفي طليعتها، التحضير السياسي والإعلامي والنفسي للمسيرة الخضراء خصوصا لدى الرأي العام العالمي. إضافة إلى التنظيم اللوجيستيكي لأفواج المتطوعين في المسيرة الخضراء عام 1975 بتعليمات سامية من طرف المغفور له الملك الحسن الثاني مبدع المسيرة الخضراء.. وذلك بعد أن عينه رحمه الله وزير الدولة المكلف بالإعلام بتاريخ 25 أبريل 1974. فلا ننسى أن الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة كان قد قاد المفاوضات العسيرة مع الإسبان ، وواكب جميع تفاصيل المسيرة الخضراء، يجتمع بوفود الصحافيين بانتظام، مرة في الصباح وأخرى في المساء بغية تزويدهم بالمعلومات التي تتعلق بهذا الحدث التاريخي العظيم، ويمكنهم من حق الوصول إليها، حيث كان يبهرهم بفصاحته اللغوية . فقد كان يتقن العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية. وليس ذلك بغريب على الرجل.. فقد تقلب في عدة مناصب عليا منذ الاستقلال كأحد الدبلوماسيين المغاربة الأكفاء، من الذين أبانوا عن كعب عال في هذا المجال.
كان الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة أيضا وزيرا للخارجية، ومندوبا دائما للمغرب في الأمم المتحدة.. وهو مسار مهني يفرض الانفتاح على اللغات العالمية لتكون جسرا للتواصل مع الآخر. وبذلك يكون السي أحمد قد دخل منطق الماركتينغ الإعلامي، فاستطاع أن يجمع إلى جانبه نخبة من الإعلاميين المتمرسين.. كما عمل على تكريس حرية التعبير والقطع مع ممارسات الجنرال أوفقير الذي كان يفرض سيطرته على الإعلام آنذاك.
لقد كان المغرب في أمس الحاجة إلى مثل هؤلاء الرجال، خاصة في تلك الفترة (فترة منتصف السبعينيات) فالحسن الثاني رحمه الله كان يرغب في أن يكون للمغرب إعلام يحظى بإشعاع كبير ووازن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان المغرب يبدي انفتاحا أكبر على أوروبا وأمريكا، وأيضا على العالم العربي، حيث تم تنظيم مؤتمر القمة العربي في الرباط الذي أقر منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
إضافة إلى ما سبق، لا ننسى أن الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة قد عينه جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه رئيسا للجنة التأسيسية لاختيار الأعضاء الأولين لأكاديمية المملكة عام 1979 ثم بعد ذلك، انتخب  كأول أمين السرالدئم لأكاديمية المملكة المغربية في 21 ابريل عام 1980 أثناء افتتاح الدورة التأسيسية لهذه الأكاديمية برآسة المغفور له الملك الحسن الثاني ، وبحضور أعضاء الأكاديمية المقيمين والمشاركين الذين يمثلون مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية.
عرف الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة بلين الجانب، على عكس أخيه الدكتور محمد بنهيمة الذي كان معروفا أكثر بالجدية المفرطة ، والحزم والصرامة في المواقف
لقد اتسم السي أحمد بروح التفاهم والإنصاف، لا يحب الكآبة في الطبع، يحدوه أمل وتاب  غير عابس الشعور، جريئا في قوله، صريحا في حديثه، يتمتع بذكاء كبيرو نجابة واضحة. كل ذلك نتيجة البيئة الأسفية التي عاش فيها، حيث كانت ذات تأثير على بواعثه وفكره ونفسيته. فلا ينبغي أن ننسى أن مدينة أسفي كانت في فترات سابقة مشعلا من مشاعل العلم والمعرفة والثقافة الرصينة. لهذا، نجد غير قليل من بيوتات أسفي غالبا ما يظهر على تربيتها، التزام أبنائها بالعلم والمعرفة، وغالبا أيضا ما نجد أن العوامل الداخلية في الإنسان أو التفاعلات المحيطة به، تؤثر  عليه وتظهر على سلوكياته وتربيته. وهنا يظهر تأثير البيئة الاجتماعية والثقافية وغير ذلك.. وإذا أردنا تطبيق هذا الأمر على الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة، نجد أن البيئة التي أحاطت به، قد أثرت عليه تأثيرا كبيرا ومباشرا ، وهذا من أهم المرتكزات التي كانت وراء تألقه في مسار حياته.
إن هذه البيئة التي نشا وترعرع فيها الأستاذ أحمد الطيبي، جعلته ذلك الإنسان الثابت في الرأي والقرار. يتمتع ـ كما أشرنا سابقا ـ برصيد كبير من الذكاء والفطنة وحب الاستطلاع  لا يريد أن تسير الحياة على وثيرة واحدة لا تتغير. يحب التجديد والإبداع والابتكار.. وهو ما أهله ليكون من رجالات الدولة الكبار. فليس بالأمر الهين أن يختاره الحسن الثاني قدس الله روحه، ليقلده أصعب المهمات وأعظم المسؤوليات، وقد أداها كلها بصدق وأمانة.. وهي كلها مهمات كانت تحتاج لدقتها وصعوبتها إلى أمثال الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة، المؤهل بوطنيته الراسخة، وبتخصصه العلمي ، وبثقافته العالية، وبفكره المستنير، وبصفاء ذهنه ووضوح رؤياه، لينهض بها، مساهمة منه في البناء ورفع تحدياته ومواجهة إكراهاته.. وما أكثرها حينذاك والمغرب حديث العهد باسترجاع الاستقلال، يبني ويؤسس هياكله .
لقد كان الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة يمثل أنموذجا قل نظيره في حسن التوفيق بين الثقافة والسياسة ، وأنه ما كان ليتيسر له ذلك ، لولا أصالته التي ولد ونشأ وتربى عليها في حضن أسرة آل بنهيمة بمدينة أسفي العريقة ، وكذا لولا وطنيته الصادقة ومعرفته الواسعة وحنكته الغنية ، وذهنه النير وفكره المتفتح .. ولولا كذلك، حسن معشره ونبل شيمه ، وتشبعه بالقيم الدينية السمحة . وإنه ليكفي لتلخيص الإشادة بمكانته المتميزة أن نقول ، إنه بملامح حياته الخاصة والعامة ، وبمنجزاته المتنوعة وبوظائفه السامية المتعددة ، قد اجتمع فيه ما تفرق في غيره بمظاهر شتى وصيغ متعددة .
بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والسياسي، يرحل عنا الأستاذ أحمد الطيبي بنهيمة إلى دار البقاء بعد أن وافاه الأجل بأحد مستشفيات باريز يوم 25 دجنبر 1980. لقد كان رحمه الله شخصية لها دورها ووزنها وكلمتها ونفوذها وفعاليتها في الحقل الفكري والسياسي المغربي وبحديثنا عن مثل هذه الشخصيات من رجالات أسفي، لا نسعى من وراء ذلك لتكريس الإقليمية الضيقة، بل هدفنا أن يسعى كل إقليم للتعريف برجالاته ، وهنا يظهر جليا معنى الإقليمية والمقصود منها .. خاصة والمغرب اليوم قد اعتمد الجهوية الموسعة ، ومن ثمة، يمكن للأمكنة أن تكون لها لمستها في ظل هذه الجهوية، فهناك دائما هذا التفاعل وهذه الجدلية التي تربط العطاء بمختلف جوانبه بالمكان ، وما يمكن أن يطرحه من ظواهر وقضايا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض