إني ذاهب إلى ربيسلايدر

حول “مكانة المرأة في الإسلام”: نحوَ فهمِ تنويري -2-

محمد التهامي الحراق

2- الفهمُ التنويري في ” المقاربة التأويلية “: نموذجان دالان

لا مراءَ أن المداخلَ المسطُورةَ ستساعد في تجاوز الاجترارِ الذي يعرفُهُ سؤالُ “مكانة المرأة في الإسلام”، اجترار يهيمن على الخطاب الديني الإسلامي الراهن، مما جعلهُ يُغذي الارتباكَ المشارَ إليهِ آنفا بين إيمانِ المؤمن ومعيشهِ المُعاصرِ، لا سيما وأن زمننا المفتوح يعرفُ ارتفاع صوتٍ كوني يدعو إلى احترام حقوق الإنسان ونبذِ العنف ضد النساء ورفع كل أشكال التمييز واللامساواة بين الجنسين، وهي كلها دعواتٌ تجدُ كبير عنتٍ للانسجامِ مع الخطابِ الديني السائدِ، والذي تغلبُ عليهِ “المقاربةُ السلفيةُ الحرفية”، وإذا انفتحَ فلا يكادُ يتجاوزُ “المقاربة الإصلاحية” في أحسن الحالات، فيما تبقى “المقاربة التأويلية” -والتي تعرفُ غنى وتنوعا في الطرح والاجتهاد- محدودةَ الحضورِ والانتشار، بفعلِ المحاصرةِ والإقصاءِ اللذين يطوقانها، إعلاميا وتعليميا.

وللوقوفِ على الواقعِ المذكور، يكفي الرجوعُ إلى طبيعة الخطاب الديني السائد والسيِّدِ والمستأسدِ في الفضائيات الدينية وفي شُعب الدراسات الإسلامية وكليات الشريعة ومعاهد أصول الدين، والتي تُعَدُّ “المقاربة التأويلية” فيها من باب الممنوعِ التفكيرُ فيه، فيما تصنَّفُ هذه المقاربةُ ضمن “المستحيل التفكيرُ فيهِ” في الفضاءات “المقدسة” لهذا الخطاب كما هو شأن المساجد. مع أن هذه المقاربةَ تمتلكُ كامل شرعيتها العلمية والدينية، إذ تفتحُ أبواباً أخرى لفهم متجدد للنصوص الدينية بما يضمن، من جهةٍ، الحفاظَ على متعالياتِ الدينِ العقدية وثوابتِه الروحية المؤسِّسةِ وكلياتهِ القيميةِ الخالدة، ويضمن، من جهة ثانيةٍ، استيعابَ الدين للتحولات التاريخية والاجتماعية والصيروراتِ الثقافية والعلمية التي عرفتها وتعرفها وستعرفها الحياةُ البشرية.

إن “المقاربةَ التأويلية”، بما يميزها من قدرةٍ على إعادة بناء فهم الدين من داخلهِ بناءً عقلانيا وإيمانيا في ذاتِ الآن، كفيلةٌ، من خلال الحوارِ العلمي والنقدي، بتجاوز الظاهرية الحرفيةِ واللاتاريخية القاتلة اللتين تنخران “المقاربة السلفية الحرفية”، وتجاوز التلفيقيةِ والمغالطة التاريخيةِ اللتين تهددان “المقاربةَ الإصلاحية”، مثلما هي كفيلةٌ بِتَجاوزِ عمى الغضب الذي يعصفُ بعلميةِ “المقاربة الرافضة”، وقادرةُ على نقضِ الفهمِ الفقهيِّ السقيمِ الذي تؤسسُ عليه “المقاربةُ الإلحادية” إلحادَها. ذلك أن “المقاربة التأويليةَ”، على تنوع طروحاتها وتعدد اجتهادات أصحابها، تتأسسُ على مدِّ الجسور مع النصوص الدينية التأسيسية فلا تتنكرُ لها، بشكل جزئي أو كلي، كما هو الشأن في المقاربتين “الرافضة” و”الإلحادية”؛ كما أنها تتأسسُ على معرفة عقلانية منفتحة وتاريخية نقدية فلا تتنكرُ لتعدد الفهمِ أو لتاريخيتهِ كما هو شأنُ المقاربتين “السلفية” و”الإصلاحية”. وهذا ما يؤهل هذه “المقاربة التأويلية”، في نظري، لتقديم قراءةٍ تنويرية لـ”مكانة المرأة في الإسلام” ورفعِ مختلف أسباب الإحراجِ عن الأسئلة المتعلقة بها، والإسهام، من ثم، في تجديد الخطاب الديني المعاصر بما يُقدِرُهُ على دفع “الانشراخات” التي تتهدد المؤمن، وتفقدهُ الانسجام المنشود بين وعيه الإيماني ومعيشه المعاصر.

وحتى نتبينَ البعدَ التنويريّ الثاوي في هذه المقاربة، يُمكننا الرجوع إلى تناولها التأويلي للأسئلة الحرجة المتعلقة بـ”مكانة المرأة في الإسلام”، سواء تعلق الأمر بتلك المتصلة بالتصورات الذهنية والمسبقات الثقافية النمطية ذات اللبوس الديني عن المرأة؛ كالقول بكونها خُلقت بعدَ الرَّجل، أكان خلقُها من ضلعهِ الأيسر كما في “المرويات السُّنية” أم من فضلة الطين الذي خُلق منه آدم كما في “المرويات الشيعية”؛ والقولِ بنقصان عقلها وإيمانها، وبكونها عورةً، وباختصاص الرجال بالحور العين في الجنة دون النساء… إلخ، أو تعلق الأمر بتلك الأسئلة المتصلة بالمسائل التشريعية والأحكام الفقهية؛ كقوامة الرجل عليها، وحقه في تأديبها بالضرب عند النشوز، ونصيبها من الإرٍث، وموقعها في الشهادة، وحقها في تولي المناصب السياسية والاجتماعية، وأحكامها في قضايا الزواج والطلاق…إلخ. ومعلومٌ أن للتصوراتِ الذهنيةِ والمُسبقات الثقافيةِ علاقةً جدليةً بالبعدِ التشريعيِّ واستنباطِ الأحكامِ الفقهيةِ وفهمها وتنزيلها. وكيما نستجلي الأفقَ التنويري الذي تفتحهُ اليومَ “المقاربةُ التأويليةُ” لـمكانة المرأة في ديننا على المستويين معا، سنقف هنا- على سبيل الإيضاحِ بالمثال- عند خصوصيةِ تناول هذه المقاربةِ لمسألتينِ من تلك المسائل “الحرجة” المتعلقة بمكانة المرأة في الإسلام ؛ الأولى من صنف التصوراتِ الذهنية النمطية عنها، والثانية من صنف الأحكام الفقهية المتعلقة بها.

تنتقدُ جمانة حداد، بنفسٍ إلحاديّ، اختصاصَ الرجال بالحور العين في الجنة دون النساء فتكتب: «ماذا عن المُسْلِمات الصالحات؟ ما الذي ينلنَه في نهايةِ المطاف؟ أمِنَ المعقول أن يحقّ لأزواجهنّ التنعّمُ بأربع زوجات في الحياة الدنيا و72 زوجة في الآخرة، فيما لا يحصلنَ هنّ على شيء في المقابل؟ ألن تُغدَقَ عليهنّ مكافأةٌ جنسيةٌ أيضاً؟ بالطبع لا، بما أنّ الرجل، الرجل وحده، هو صاحبُ الشهوة والرغبات الجنسية؛ فيما تخضع المرأةُ لهذه التجربة كواجبٍ ليس إلا. هذا كلّه يردّنا، من جديد، إلى المعاييرِ المزدوجة المعتمدة في الدين. لقد تعلّم الكثيرون، منذ نعومة أظفارهم، أنّ الجنسَ خطيئة، وعملٌ قذر وفاسد. وها هو الرجل يُكافَأ (مكافأة غير مضمونة البتة) في الحياة الأخرى بكمية وافرة مما اعتُبر قذراً وخطيئة على الأرض. أمرٌ منطقيّ تماماً، أليس كذلك؟»[1].

  إنهُ نص “شَرِسٌ”، حول مسألةٍ مُحرِجَة تندرجُ في باب “اللا مفكر فيه” بالنسبةِ للمقاربتين “السلفية” و”الإصلاحية”؛ وتعاملت معها بعض أصواتِ “المقاربة الرافضة” بنوع من “الاعتسافِ” حين تبنَّت تفسيرَ المستشرق كريستوف لوكسمبرغ لـ”الحور العين”، والذي ردَّ التعبيرَ إلى أصولٍ آرامية سريانية وخَلُص إلى أنه يعني الزبيبَ الأبيض الذي كان نادرا في الجزيرة العربية فوُعِدَ به المؤمنونَ في الآخرة[2]. بخلافِ “الإسقاط” من التفكير أو “الاعتساف” فيه، اختارت “المقاربةُ التأويلية” النظرَ الفكري العلمي في المسألةِ انطلاقاً من إعمال إوالياتها الهرمينوطيقية، والتي منها، قراءةُ الآيات الخاصة بالمرأة والرجل من مبدإ تحليلها وفق آليةِ “قراءة القرآن بالقرآن”. هكذا أفضى تأويل أمينة ودود لما جاء في سورة الواقعة عن “الحور العين”، وفق هذه الآلية، إلى “تأكيدِ القولِ إن “الحور العين” لسن مجرد فتياتٍ عذارى خص الله بهن المؤمنين من الرجال في الآخرة، وإنما هن كائناتٌ أو مخلوقاتٌ في الجنة لا تنتمي إلى جنس النساء أو جنس الرجال، حيث إن كلَّ ما تعلق بالجنة مجهول بالنسبة إلينا، داخل مجال (الغيب) الذي لا يعلمه إلا الله”[3].

  وقريب من هذا التأويل، مع مزيد من التفصيل والتأصيل، ما ذهب إليه أحمد القبانجي حين سُئِلَ عن هذه المسألة فقال: “يتضح الجواب عليها بالالتفاتِ إلى نقطتين: أحدهما أن جميع الخطابات القرآنية التي ورد فيها “الذين آمنوا”، “المؤمنون”، “الصالحون”، “أهل الجنة” يُرادُ منها ما يعم الرجل والمرأة إلا ما خرج بالدليل، وهو ما يتفق عليه المفسرون والعلماء، وعليه فكل ما ورد من نعيم في الجنة إنما هو للذين آمنوا أو للمؤمنين أو أصحاب اليمين من الرجال والنساء ومن ذلك الحور العين. أما كيف تكون الحور العين، وهن نساء جميلات في الجنة، نعمةً للمومنين والمومنات على السواء؟ فهذا ما يتضح من النقطة الثانية. الثانية أن من المُسَلَّمات في دائرة المفاهيم القرآنية أن الله تعالى نفخ في الإنسان روحهُ: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ )[4] . وهذه الروح الإلهيةُ لست خاصةً بالرجلِ، بل إن الله تعالى نفخ روحَهُ في الرجل والمرأة على السواء، وهذه الروح الإلهيةُ جنس واحد فلا هي بالمذكر ولا بالمؤنث كما هو حال الملائكة، وما نراه من اختلافٍ جسماني بين الرجل والمرأة في الدنيا، فإنما هو اختلاف مادي دنيوي، وسوف لا يبقى لهُ أثر بعد الموت. فهذا الجسدُ سوف يتحول إلى تراب، وعندما تخرج الروح من الميت لا تكون متصفة لا بالذكورة ولا بالأنوثة، بل تكون كالسابق لا هي مذكر ولا هي مؤنث، ولا هي رجل ولا هي امرأة، وعندما تدخل هذه الروح الجنة بهيئة خاصة لا نعلم تفاصيلها، فإن الله تعالى يخلقُ في الجنة جنسا آخر لهذا الزوج اسمه (الحور العين)، أي أن كُلا من الرجل والمرأة له حور عين في الجنة يستأنس بها ويلتذ معها، وإنما توهَّم الناس أن الحور العين نساءٌ لأن القرآن الكريم جاء في مجتمع ذكوري، ولا بد من مخاطبة الناس بلغتهم وثقافتهم، ومن المعلوم أن اللغة والثقافة والحوادث التاريخية تطبع بصماتِها على كلام الوحي بالضرورة، وما جاء نبي إلا بلسان قومه”[5].

بهذا النمط من القراءة، لا تقدم لنا “المقاربةُ التأويلية” فهماً نهائيا أو مغلقا، وإنما تفتحُ أذهاننا وأرواحَنا على فهمٍ جديدٍ متماسكٍ على المستويين الابستيمولوجي والتيولوجي، فَهْمٍ ينطلق من النص القرآني لـ”يؤكد المساواة بين الجنسين، ويقصي السلطة الأبوية والتفوق الذكوري”[6]. وهو ما يجعل منه فهما تنويريا لكونهِ موافقا لروح القرآن وروح العصر الحديث في نفس الآن.

النموذج الثاني الذي نقترح النظر فيه لإبراز البعد التنويري الذي تفتح أفقََه “المقاربةُ التأويلية”، يتصل بشقِّ الأحكام الفقهية التي تمثل وجهاً تشريعياً لصورة المرأة في المسبقات الذهنية النمطية السائدة بلبوس ديني معجماً ولغةً وإحالاتٍ. ويتعلق الأمر بحكم فقهي هو موضوع واحدٍ من أهم الأسئلة الحرجة المثارة حول تناولِ الخطاب الديني اليوم لـ”مكانة المرأة في الإسلام”. إنه حكم “تأديب المرأة بالضرب”، والمستند إلى الآية 34 من سورة النساء، والتي يقول فيها تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ).

إن هذه الآيةَ، ومثلما كانت موضوعَ تأكيدٍ لمعناها الحرفي الظاهري ولبعده الإلهي ضمن “المقاربة السلفية الحرفية”؛ وكانت مناطَ تبرير وتعليل لمعنى “القوامة” والشروط المُقَيِّدة لـ”الضرب” في “المقاربة الإصلاحية”، كانت أيضا، في الضفة الأخرى، موضوعَ رفض واعتراض لما تُحيل عليه من عنف وتسلط ذكوري حسب “المقاربة الرافضة”، و”حُجَّة دامعة”، بالنسبة لـ”المقاربة الإلحادية”، على انخراط “الإسلام” في مسار ازدراء النساء واحتقارهن والحطّ من إنسانيتهن؛ وهو مسار مشترك، حسب هذه المقاربة، بين “محور الشر” كما تنعته كرستوفر هيتشنز، والمُشكَّل من المسيحية واليهودية والإسلام[7].

وخلافا لهذه المقاربات، وأخذاً بنهجٍ خاصٍ في ردِّ الأحكام الفقهية الجزئية إلى الرؤية القرآنية الكلية، والإفادةِ من المناهج التاريخية والأنتروبولوجية والهيرمينوطيقية في قراءة النصوص الدينية، نلفي “المقاربة التأويلية” تقدم قراءةً نقدية للمقاربتين “السلفية” و”الإصلاحية” اللاتاريخيتين، فتنظر، من جهة، إلى “قوامة” الرجل بشكل تاريخي يصلها بالأعراف السائدة في المجتمع العربي خلال زمان ومكان التنزيل، كما تعتبر أن حديث القرآن الكريم عن “القوامة” هو وصف لواقع لا تأسيس له، وأن ذلك الحديث يندرج ضمن “الأحكام العُرفية” القابلة للتغير لا ضمن “الأحكام الشرعية” الصالحة لكل زمان ومكان. يكتب القبانجي: “لابد من التمييزِ بين نحوين من الأحكام في الفقه الإسلامي: “الأحكام العرفية” و”الأحكام الشرعية”، فالنحو الأول من الأحكام الفقهية مأخوذ من العُرفِ، وقائم بما هو السائد في عُرف العقلاء، ولهذا يقبل التغير والتبدل بتغير العرف، والثاني ما لا يكون مأخوذا من العرف بل بتأسيس من الشارع مباشرة، ومن دون مراعاة الظروفِ الزمانية والـمكانيةِ كوجوب الصلاةِ والصوم وحرمة الظلم والعدوان، كما في قوله تعـــالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )[8]، وما نحن فيه إنما هو من القسم الأول من الأحكام، ولهذا لا يمكن الالتزام بمثل هذه الأحكام كحقيقة شرعية مطلقةٍ تؤطر سلوك الإنسانِ في جميع الأمكنة والأزمنة، ولا توجد قرينة أكيدة على أن مراد الآية هو التأسيس لقوامة الرجل على المرأة”[9].

إنهُ أفق تنويري نقدي يزاوج بين النظر في النص والنظر في الواقع، ويستنِدُ إلى التمييزِ في الأحكامِ بين التاريخيّ المتحول (العُرف) والدينيّ الثابت (الشرع)، وفي ظل هذا الأفق تتناولُ أسماء المرابط مسألة “ضرب النساء” الواردة في الآية 34 من سورة النساء المذكورة آنفا. فبعد أنْ تَبرزَ تهافتَ المنطقِ الداخلي للتفاسير القديمة في تسويغ “الضرب”  بوصفهِ آخرَ المراحل الثلاث في إطار نهج “التدرج”؛ أي بعد العظة والمناصحة وهجر فراش الزوجية، مُعتبِرَةً أن الهجر أعزَّ قسوة من المرحلة الأخيرة التي تدعو إلى العقاب ولو كان رمزيا[10]؛ بعد هذه الملاحظة النقدية تنتقدُ المرابط هذا التفسير بإبراز سلطة عُرف الواقع في تنزيلِ هذا “الحكم” الفقهي حين تكتب: “يجب أن نظل واقعيين ونتقبل مسألة أنه كيفما كانت عملية الضرب رمزية حسب التفاسير القرآنية القديمة، فهذا لم يمنع الذين يقفون عند المعنى الحرفي للنص ولا يعيرون اهتماما لباقي المبادئ الأخرى من اتخاذ هذا التأويل سببا كافيا لتأييد أي شكل من أشكال الاضطهاد ضد زوجاتهم. أو ليس من المشروع التساؤل عن مدى ملاءمة هذا التفسير وانسجامه مع المعنى العام الثاوي وراء مجمل الرسالة القرآنية؟ وكذا انسجامه مع أقوال وأفعال الرسول e المنزهة عن أي شائبة من الشوائب. لقد عارض طوال حياته كل أنواع الاضطهاد والعنف الجسدي بل وحتى الشفهي ضد النساء”[11].

هكذا نتبيَّنُ كيف ينتعش البعدُ النقدي في “المقاربة التأويلية” من أجل إعادة فهم النصوص الدينية بما يحررها من “التأويل الذكوري”، حيث تعتبر الحكم الفقهي الناجم عن هذا الفهم “حكما عرفيا” لا “حكما شرعيا” حسب تمييز القبانجي، كما نسجل أيضا كيف يُسعِفُ منهجُ ردّ الأحكام الجزئية إلى الرؤية القرآنية الكلية في محاصرة “الفهم الذكوري” لتلك الأحكام.

ويذهب بعيدا، الأستاذ الطالبي، في مقاربته التأويلية للآية السابقة، فيستنفر المنهاج التاريخي والأنتروبولوجي لقراءة الآية في سياقها التاريخي الثقافي، وتأطيرها ضمن ملابساتِ زمان ومكان نزولها، ليصل إلى خلاصة رئيسة تتفق وقراءته المقاصدية ذات التحليل الاتجاهي، قوامُها أن إباحةَ الضرب هي “إباحة كراهية” اقتضتها شروط تاريخية معينة، تمثلت في خوف الفتنة والفرقة بين المسلمين إثر اصطدام ثقافة مكية ذكورية بأخرى مدنية أكثر تحررا حيال النساء؛ وخصوصا في لحظة تكاثر فيها أعداءُ الداخل (اليهود والمنافقون) والخارج (كفار قريش وحلفاؤهم) وعشية نكبةِ أُحُد، وهي الظروف والملابسات التي اقتضت، حسب الطالبي، التخفيفَ من “ثورية” المنزع النسوي الذي اتخذته اجتهادات الرسول e في الحكم بـ”القصاص” لصالح النساء المشتكيات من ضرب أزواجهن لهن، طوال ثلاث سنوات بعد الهجرة. الأمر الذي يشير إلى كون الإسلام يتجه، على مستوى المقصد، إلى نبذ كل أشكال العنف ضد النساء، وذلك حين ترتفع الظروف الخاصة التي استلزمت التخفيف المذكور، وكذا حينَ تنضج العقليات وتصبحُ مؤهَّلة لمثل هذه المساواة، على غرار ما سار في مسائل أخرى مثل الرق[12]. يكتبُ الطالبي مؤكدا هذه الخلاصة: “..بيَّنا أن العلاجَ بالضرب، وإن أبيحَ إباحة كراهية في ظروف اجتماعية وتاريخية معيَّنَةٍ، فإن مقاصد الشرع تأباهُ، وينبغي أن يزولَ بزوالِ الظروف التي أملتهُ، وأن يُعاقَبَ على ارتكابهِ اعتبارا لتطور البيئة والعقلياتِ وتغير الأوضاعِ، تبعا لسنة الله التي اقتضت أن يكونَ الكونُ متطورا لا قارا ومستقرا”[13].

هكذا، يتبدى، انطلاقا من هذين النموذجين، كيفَ أن “المقاربة التأويلية” تتجاوز آفاتِ المقارباتِ “السلفية” و”الإصلاحية” و”الرافضة” و”الإلحادية”، لتتيحَ، من خلال النظر العلمي والحوارِ العقلاني والحس التاريخي والتعامل النقدي، إمكاناتٍ فسيحةً لمراجعة الكثير من المعطيات[14] والتصورات والأحكام، ومن ثم إعادة فهم “مكانة المرأة في الإسلامِ” اليومَ فهماً تنويريا وتجديدياً يلائمُ ثوابتَ الدين العقدية ومتعالياتِه الروحيةِ ومقاصدَهُ الأخلاقية، ويستجيبُ في ذات الوقت للقيم الكونية التي تدينُ لها البشريةُ وتتبناها اليومَ في مختلف مواثيقها الحقوقية المعاصرة. وبذلكَ تستطيعُ هذه المقاربةُ، بمُختلفِ اجتهاداتها العلميةِ المؤسّسةِ[15]، الإسهامَ في الإجابةِ عن مختلفِ الأسئلة الحرجةِ المتصلة بالمرأةِ، وذلك بما يضمنُ للإسلامِ “كمالَهُ” و”خاتميةَ رسالتِه” في التاريخِ وضمن صيرورةِ الواقع، ويُسهِمُ في تجاوز تلك “الانشراخاتِ” الناجمة عن فقدان الانسجام المطلوب بين إيمانِِ المسلم ووجدانه الديني من جهة، وعقلِ المُسلِم وملابساتِ معيشه المعاصر من جهة ثانيةٍ. وذاكَ هو رهان كل فهمٍ تنويري للدينِ يرومُ التحيينَ المستمرّ للإيمانِ بتجديدهِ، والاستكشافَ المستمر للجوهرِ المتعالي للدينِ من أجل تخليدهِ.

*********

[1]– نفس المرجع، ص.21.

[2]“خارج السرب“، م.س، ص.158؛ ص.173-174(هامش 13). تبدو أوجه “الاعتساف” في هذا التفسيرِ كثيرةٌ ليس أقلَّها الحاجةُ إلى تبرير فيلولوجي وتاريخي وثقافي لغيابِ مثل هذا الفهم، حسب علمنا، عن الفضاء التفسيري المُعاصر لنزول القرآن الكريم، وغيابِ ما يدعمهُ معجميا ودلاليا في أي مقاربة لسانيةٍ سانكرونية تزامنية لمعجم الوحي ؛ ثمَّ عدم انسجامه من النسق القرآني العام في توصيف الآخرةِ وعرض لذائذ الجنة، سواء استحضرنا تلك النعوت المُسندة للحور العينِ في مختلف السور القرآنيةِ، أو استدعينا تلك المتعلقة بنظيمة فواكه الجنة وما يتصل بها من نعيم حسي، ثم إن هذا “التفسيرَ” معتسف من وجه ثالث إذ يرتبطُ بضرورة دراسة “المتخيل الأخروي” في النصين التأسيسيين بشكل تاريخي وأنتروبولوجي…إلخ، وهو أمر لا ينشغل به الاستشراق الكلاسيكي الذي ينتمي إليه كريستوف لوكسمبرغ.

[3]– نفس المرجع، ص.21. وهذا ما يعضده حديث قدسي روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: “يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (سورة السجدة، آية 17)…”. رواه البخاري في “صحيحه“، كتاب “بدء الخلق”، باب “ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة”، رقم الحديث 3072.

[4]– سورة الحجر، الآية 29.

[5]– “المرأة، المفاهيم والحقوق، قراءة جديدة لقضايا المرأة في الخطاب الديني“، م.س، ص.67-68.

[6]– “خارج السرب“، م.س. ص.59.

[7]“سوبرمان عربي ..”، م.س، ص.18، ص.71.

[8]– سورة النحل، الآية 90.

[9]– “المرأة، المفاهيم والحقوق..“، م.س. ص. 92.

[10]– “القرآن والنساء، قراءة للتحرر”، م.س. ص. 208.

[11]– نفس المرجع والصفحة.

[12]– “أمة الوسط، الإسلام وتحديات العصر“، م.س، ص.115-141.

[13]– نفس المرجع، ص.136.

[14]– يكفي أن نشير أيضا في هذا السياق مثلا، إلى المراجعة التاريخية النفيسة التي قام بها بعض الباحثين (عدنان إبراهيم، إسلام بحيري…) لمسألة زواج النبي e من عائشة رضي الله عنها وهي بنت تسع سنين، وهي المراجعة التي أثبتت أنهe تزوجها وعمرها ثمانية عشر سنة، وهي مراجعة لها فوائد بليغة وأثر إيجابي عميق على صورة النبي عليه السلام والإسلام في عالم اليوم، وعلى أحكام المرأة المسلمة وخصوصا ما تعلق منها بزواج القاصرات..إلخ. راجع مثلا ما كتبهُ إسلام بحيري في هذا الشأن ضمن: البنا، جمال، “تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم“، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت 2011، ص. 67-73.

[15]– نستحضرُ هنا، إلى جانب الأسماء المذكورة آنفا، نماذجَ عديدةً مثل الإسهامات “التأويلية” من الطاهر حداد إلى جمال البنا أو نصر حامد أو زيد أو محمد شحرور أو يعقوب محمد إسحاق…إلخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى