سياسة

انشقاق الخطاب داخل “بوليساريو” وأزمة الثقة تضرب المخيمات

سياسة

 

لم يعد الخلاف داخل “بوليساريو” مجرد تباين في تقدير المواقف أو اختلاف عابر بين قياداتها، بعدما تحول السجال بين البشير مصطفى السيد ومحمد سالم ولد السالك إلى مواجهة سياسية وإعلامية كشفت بوضوح أكبر حجم التباينات التي تدور داخل التنظيم بشأن مستقبل القضية ومسارها السياسي.

وتكشف المواجهة الأخيرة بين قيادات بارزة في “بوليساريو” عن واحدة من أكثر اللحظات حساسية بالنسبة إلى التنظيم، بعدما خرج الخلاف من دوائر النقاش الداخلي إلى المجال الإعلامي والسياسي، وتحول إلى سجال مفتوح حول طبيعة التحولات الدولية والإقليمية التي باتت تضغط على الجبهة، وحول قدرتها على الاستمرار في تبني المواقف نفسها التي رافقتها لعقود.

ويكتسي هذا الخلاف أهمية خاصة لأنه لم يأت من خصوم “بوليساريو”، وإنما ظهر بين شخصيتين ارتبط اسمهما بمراحل مختلفة من تاريخ التنظيم، ويملكان معرفة واسعة بطريقة اشتغاله ودوائر اتخاذ القرار داخله.

وبذلك، لم يعد السؤال المطروح فقط هو ما إذا كانت الجبهة تواجه ضغوطا خارجية متزايدة، وإنما أصبح يتعلق أيضا بقدرتها على الحفاظ على خطاب سياسي موحد أمام قواعدها، في وقت تبدو فيه التحولات الإقليمية والدولية أسرع من قدرة القيادة على إنتاج خطاب جديد ومقنع.

محمد سالم ولد السالك يفتح النقاش حول الحكم الذاتي

فجر محمد سالم ولد السالك، المسؤول السابق فيما يسمى دبلوماسية “بوليساريو”، جدلا واسعا بعدما نشر مقالا تحدث فيه عن ضغوط أمريكية مباشرة، قال إنها تدفع الجزائر و”بوليساريو” نحو الانخراط في مفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

وذهب ولد السالك، وفق ما ورد في المقال، إلى طرح مسألة الاستعداد النفسي داخل مخيمات تندوف لاحتمال التعامل مع خيار الحكم الذاتي، في ظل ما اعتبره تحولا في البيئة الدولية وتغيرا في موازين القوى التي لم تعد تمنح الجبهة هامش المناورة نفسه الذي كانت تستفيد منه في مراحل سابقة.

وتكمن أهمية هذا الطرح في كونه صدر عن شخصية كانت لسنوات جزءا من الجهاز السياسي والدبلوماسي للتنظيم، وليس عن طرف خارجي يسعى إلى انتقاد مواقفه.

ويفتح هذا الموقف، في حال قراءته في سياقه السياسي، الباب أمام نقاش حساس حول مستقبل الخطاب الذي تبنته “بوليساريو” لعقود، خصوصا أن الحديث عن إمكانية مناقشة الحكم الذاتي يمثل، بالنسبة إلى الجبهة، تحولا عن خطاب الرفض المطلق الذي ظل حاضرا بقوة في مواقفها الرسمية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن ولد السالك أعلن تبني المبادرة المغربية، لكنه نقل النقاش إلى مستوى أكثر حساسية، من خلال التعامل معها كخيار بات يفرض نفسه على طاولة الحسابات السياسية في ظل المتغيرات الدولية.

البشير مصطفى السيد يرد.. لكن الجدل يتسع

لم يتأخر البشير مصطفى السيد، الذي يشغل منصبا قياديا داخل “بوليساريو”، في الرد على ما طرحه ولد السالك، نافيا أن تكون الجبهة مستعدة للإذعان لضغوط أمريكية من أجل مناقشة أو الانخراط في مقترح الحكم الذاتي.

وكان يفترض أن يؤدي هذا الرد إلى حسم الجدل أو وضع حد للتأويلات التي رافقت تصريحات ولد السالك، غير أن النتيجة كانت مختلفة، إذ أدى السجال نفسه إلى توسيع مساحة النقاش حول مستقبل الجبهة وموقعها من التحولات الجارية.

وأصبحت المسألة، بالنسبة إلى عدد من المتابعين، تتجاوز مضمون الرد نفسه إلى دلالة مجرد فتح النقاش بين قيادات تاريخية حول سيناريو كان يتم رفضه بشكل مطلق في الخطاب التقليدي للجبهة.

ويكشف هذا التطور، في أحد أوجهه، عن تغير طبيعة النقاش السياسي المحيط بالقضية، إذ لم يعد السؤال فقط حول استمرار المواقف القديمة، وإنما حول مدى قدرة هذه المواقف على الصمود أمام التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة.

من “الرفض المطلق” إلى جدل الخيارات

أبرز ما يجعل السجال الأخير لافتا هو أن الحكم الذاتي دخل، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى نقاش بين شخصيات قيادية داخل “بوليساريو”، فحتى عندما جاء رد البشير مصطفى السيد لرفض الانخراط في المقترح، فإن مجرد اضطرار القيادة إلى مناقشة هذا السيناريو علنا يمنح الموضوع وزنا سياسيا مختلفا.

ويرى متابعون أن التحولات الدولية جعلت عددا من القوى المؤثرة يميل أكثر إلى البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق عليه، في مقابل تراجع قدرة الأطراف على فرض تصوراتها بشكل منفرد.

ويأتي ذلك في سياق إقليمي تغيرت فيه موازين كثيرة، سواء على مستوى العلاقات الدولية أو طبيعة التحالفات أو الأولويات الأمنية والاستراتيجية في منطقة شمال إفريقيا والساحل.

وتفرض هذه المتغيرات على “بوليساريو” تحديا مزدوجا: الحفاظ على خطابها التقليدي من جهة، وإقناع قواعدها بأن هذا الخطاب لا يزال قادرا على إنتاج نتيجة سياسية من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL