
كشفت أحدث المؤشرات الاجتماعية في المغرب عن مفارقة لافتة في مسار تعميم التغطية الصحية، إذ ما يزال نحو ثلث السكان خارج أي نظام للتغطية الطبية، في وقت بلغ فيه المعدل الوطني للتغطية الصحية 69.8 في المائة. وتزداد حدة المفارقة عندما تقترن هذه الأرقام بارتفاع حصة الأسر من الإنفاق المباشر على العلاج، وباستمرار التفاوتات الجهوية والاجتماعية في الولوج إلى الخدمات الصحية.
تضع الأرقام الرسمية الحديثة ملف التغطية الصحية في المغرب أمام صورة أكثر تعقيدا من مجرد ارتفاع نسبة الأشخاص المشمولين بالتأمين الصحي، فبلوغ معدل التغطية 69.8 في المائة يعني، في المقابل، أن 30.2 في المائة من السكان ما زالوا خارج التغطية الصحية وفق التعريف المعتمد في التقرير، أي أنهم ليسوا منخرطين أو من ذوي الحقوق في أحد أنظمة التغطية الطبية المعنية.
وتكشف هذه النسبة أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية، رغم ما حققه من توسع في قاعدة المستفيدين، لا يزال يواجه تحديات كبيرة على مستوى الوصول الفعلي إلى التغطية والخدمات الصحية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر هشاشة والمناطق التي تعاني نقصا في الموارد الطبية.
ولا تتوقف الإشكالية عند حدود عدد المشمولين بالتأمين، إذ تكشف معطيات الإنفاق الصحي أن الأسر المغربية لا تزال تتحمل نسبة مرتفعة من الكلفة الصحية، وهو ما يجعل المرض بالنسبة إلى عدد من الأسر ليس فقط مسألة صحية، وإنما أيضا عبئا ماليا يمكن أن يؤثر في قدرتها على تلبية حاجيات أخرى.
30.2 في المائة خارج التغطية الصحية
تكشف نسبة 30.2 في المائة من المغاربة خارج التغطية الصحية عن جانب آخر من ورش الحماية الاجتماعية، إذ إن ارتفاع نسبة المشمولين بالتغطية إلى 69.8 في المائة لا يعني أن جميع السكان أصبحوا متمتعين فعليا بحماية صحية شاملة.
ويشير التعريف المعتمد في التقرير إلى أن الأشخاص غير المشمولين هم الذين لا يتوفرون على تأمين شخصي ولا يدخلون ضمن ذوي الحقوق في أحد أنظمة التغطية الطبية المذكورة.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى أن تعميم التغطية الصحية شكل أحد أبرز الأوراش الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، بهدف توسيع قاعدة المستفيدين وإدماج فئات كانت في السابق خارج أنظمة التأمين.
غير أن الأرقام الجديدة تظهر أن الطريق ما يزال طويلا أمام الوصول إلى تغطية شاملة، خصوصا أن مجرد التسجيل في نظام للتغطية لا يعني بالضرورة إزالة جميع العوائق المرتبطة بالولوج إلى الطبيب أو الدواء أو المستشفى.
وتطرح هذه المعادلة سؤالا أساسيا حول المرحلة المقبلة من إصلاح المنظومة الصحية: هل يكفي توسيع قاعدة المشمولين بالتأمين، أم أن التحدي الحقيقي أصبح يتمثل في ضمان قدرة هؤلاء على الاستفادة الفعلية من الخدمات الصحية دون تحمل أعباء مالية ثقيلة؟
تفاوت جهوي.. فاس ومكناس في الصدارة وطنجة في ذيل الترتيب
لا تتوزع التغطية الصحية بالمغرب بشكل متساو بين مختلف الجهات، وهو ما يضيف بعدا ترابيا إلى التحديات الاجتماعية.
وتظهر المعطيات أن معدل التغطية الصحية تراوح بين 75.5 في المائة بجهة فاس-مكناس و62.2 في المائة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
ويكشف هذا الفارق عن تفاوت يتجاوز 13 نقطة مئوية بين جهتين، ما يعني أن مكان إقامة المواطن يمكن أن يكون عاملا مؤثرا في مستوى استفادته من منظومة التغطية الصحية.
وتطرح هذه الفوارق بدورها سؤالا حول قدرة السياسات العمومية على ضمان عدالة مجالية في مجال الصحة، خصوصا أن التفاوت لا يرتبط فقط بالتغطية التأمينية، وإنما يتقاطع مع توزيع الأطباء والمستشفيات ومؤسسات الرعاية الصحية الأساسية.
وتصبح العدالة الصحية أكثر تعقيدا عندما تتداخل العوامل الجغرافية مع الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للأسر، إذ تواجه الفئات ذات الدخل المحدود، خصوصا في المناطق القروية، صعوبات مضاعفة في الوصول إلى الخدمات الطبية.





















